وتلبيةً لشعورٍ غامضٍ نزل على قلبه بالسكينة ، أنكر ربوبية المجسّدات والمنظورات ، ونزّه مالك الموت والحياة أن يكون على مثال هيئةٍ من أشكال المادة التي تتغيّر وتحول ، وتفنى وتزول .
وانطلاقاً من هذا الشعور خالف عقيدة مجتمعه الوثني ، ونأى - في أُخريات أعوام عمره كما نقلت الأخبار - عن عبادة الأصنام .
خطوة رائدة على طريق الاهتداء ، قدوة مبكّرة لمن شاء من قومه الاقتداء .
أيّما وصف تصوّر به نفس الشيخ الهاشمي الجليل ، فلقد كان كما تدلّ فعاله وسجاياه ، وتشير إليه أحاديث معاصريه ، صاحب كرامة ويُمن ، ويقين ثابت في القدرة الربانية ، لا يتزعزع أمام نوائب الدهر ومدلهمّات الأحداث .
حين ينظر إلى الأمور كان يراها بكلتا عيني الإبصار والاستبصار ، ينفذ فيها إلى أعماق المجاهيل ، يشيم بوادر الشرّ قبل أن يحيق ، ليس بالخوَّف الخالع « 1 » ، ولا الجزع الهالع ، كان يجابه الملمّات « 2 » ، إنّما بالصبر والهدوء ، بثبات اليقين ، بطمأنينة الإيمان ، برحابة روحية تذوب فيها عزائم الأخطار .
كثيراً كان - على غير ما درج الناس - لا يستقبل الشدائد بأساليب المقاومة الشرية العنيفة والجلاد المادي الحادّ ، كثيراً كان يستعين عليها بقوة غيبية عليا ، يؤمن باقتدارها على صدّ البلايا ودرء هوال كلّ الاقتدار كلّ الإيمان ، كثيراً كانت أسلحته التي يحارب بها جحافل المحن قلباً خاشعاً ، وكفَّين يرفعهما إلى السماء ، وكلمات ضراعة وابتهال .
إنّه لطاهر الدعاء ، مبارك النداء ، يسأل فيُجاب ، يستغيث فيُغاث ، فكأنّما اللَّه شاء أن يمدّه بما يشبه الخوارق ، ويماثل المعجزات .
* * *
هامش
( 1 ) . الخوَّف الخالع : أي الخائف الضعيف .
( 2 ) . الملمّات : واحدها المُلمّة ، وهي النازلة الشديدة من نوازل الدنيا .