الشبه النفسي بين « فاطمة » و « علي » كان أدنى موارده جدّهما « عبد المطلب » كبير قريش وسيّد الهاشميّين ، إن يكونا تألّقا بنور الكرامة فبعض ذلك النور انحدر إليهما من ذلك الشيخ المتألّه الحنّان .
أم من ذا ينكر على « أبي الحارث » أن قد أودعه اللَّه من فضله ما لم يكد يودع سواه من رفاق ؟ من الذي في الناس يجهل ما كانت عليه نفسه من صفاءٍ وحسٍّ رهيفٍ شفيف « 1 » ؟ من الأُلى « 2 » بين قومه لم يخيّروا فيه سليقة نقية ، حلّاه طهرها بكلّ رفيعٍ وجليلٍ من الشيم والخصال ؟
فكأنّ هذا الذي أنعم به عليه ربّه يمثّل فاتحةً لانطلاقٍ من بعد على الطريق إلى اللَّه ، كأنّه تسبيب يناسب موازين المعقولات - دع عنك انجاز الغيبيّات - يؤكّد أنّ لكلّ نتيجةٍ مقدمة ، ولكلّ معلولٍ علّة ، فإذا الخير المرتقب في الصغير إن هو إلّاثمرة طيّبة لبذرة طيّبة قد غُرست في كيان الأجداد ، فلا الأمر خبطة عشواء ، ولا هو أتى من فراغ .
كأنّه إشارة من القدر بليغة ، تومئ - من خلال فضائل الشيخ الوقور - إلى ذخر فضائل حفيده المختار لتبليغ الرسالة الربانية التي ستهدي العالمين للتي هي أقوم ، وتنتشل البشرية من وهدة « 3 » الغيّ والظلام .
كأنّه بصيص « 4 » ، يعلن عن وضاءة خِلالِ « 5 » الوليد المنتجب ونقاوة سجاياه ، التي أجملها اللَّه سبحانه في كريم نطقه ، فوصفه بأن قال :
« وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ »
« 6 »
.
هامش
( 1 ) . الرهيف والشفيف : الرقيق اللطيف .
( 2 ) . الأُلى : ترد عوضاً عن « أُولى » جمعاً ل « الذي » يقال : نحن الأُلى ، أي نحن الذين ، والعرب الأُلى : أي الأقدمون .
( 3 ) . الوَهدة : الهوّة في الأرض ، الأرض المنخفضة .
( 4 ) . البصيص : البريق واللمعان .
( 5 ) . الخِلال : جمع خَلّة ، وهو الخصلة .
( 6 ) . القلم : 4 .