كان من قدر فاطمة الزهراء اقتران مجيئها إلى الدنيا بوضع أبيها الحجر الأسود موقعه من ركن الكعبة ، فإذا هو يطفئ بحكمته شرر الحرب بين قومه قبيل اندلاع شرّتها « 1 » ألسنة نار ، دارئاً عنهم الدمار والبوار « 2 » .
أفلا يرى مولدها وكأنّه آية بركة وخير ؟ طليعة يُمن وأَمن ؟ علامة نفحة قدسية من ألطاف الرحمن ؟ بشرى رحمة ربانية أفاءت على الناس المودّة ، وغمرت النفوس بالصفاء ، ونشرت في مكة السلام ؟
وكان من قدر علي بن أبي طالب اقتران مجيئه أيضاً إلى عالم الناس - كحال الصغيرة - بالكعبة الغرّاء .
فها هي أُمّه فاطمة بنت أسد تطوف بالبيت الحرام ، ها هي تكاد تتعثّر في طوافها وقد أثقل بطنها جنين ، راح يتحرّك بين جنبيها ، كأنّما ينشد الخروج للنور والهواء ، ها هي يفاجئها المخاض ، فتتوارى من الأعين ، وراء أستار الكعبة . . . وتضع الوليد .
إلى جوار الحجر الأسود يكون المولد .
فإن تكن إشارة في الزمان ، تعلن للعالمين عن حظّ غلامها من الطهر ، وإشراق الروح ، فإنّها - نزوله بأطهر بقعةٍ وبأقدس مكانٍ ، كرّم به وجهه كما لم تكرّم وجوه غيره من أطهار الأقران - آية ، بل آيتان ، في خلال بضع سنين ، اختُصّ بهما ذانك الهاشميان .
كلتاهما إيماء كإبداء وجلاء ، تلميح كإفصاح وتصريح .
آيتان تومئان ، ولا تخطئان ، إلى قدرين يتلاقيان ويتلازمان ، وميلاد الصغيرة ميلاد الصغير يقترنان بالحرم الشريف .
وقليلًا قليلًا يميط « 3 » القدران عن سرّيهما الغطاء ، فإذا هم قدران عظيمان عند
هامش
( 1 ) . الشرّة : مؤنث الشرّ .
( 2 ) . البوار : الهلاك .
( 3 ) . يميط : يزيح ، يكشف .