الإسلام قائلًا : انظروا إلى هذا الدين ، فهو في إبّان عزّه وانتصاره يقع فريسة هيّنة لرجلٍ غريبٍ لا يعرف التاريخ عنه شيئاً كثيراً ، ففي تعاليم نبيّهم ، نرى طارئاً يهودياً يدخل ذلك المجتمع فيمزّقه تمزيقاً مريعاً ، من غير أن يرفع أحد يده لطرده أو للبطش به » « 1 » .
ثم ينتقل بعد أن يستعرض آراء الباحثين بين مؤيّدٍ لوجود مثل هذه الشخصية ورافضٍ لها ، إلى عرض التساؤل التالي : « وهنا نقف حائرين بين رأيين متناقضين :
فهل كان ابن سبأ شخصاً حقيقياً أم كان وهمياً ؟
إنّ هذا سؤال مهمّ جدّاً عند من يريد أن يدرس تاريخ المجتمع الإسلامي ويعتبر بعظاته البالغات . وقد يصحّ لنا أن نضع السؤال بشكل آخر ، فنقول : هل كان المجتمع الإسلامي آنذاك في حاجة إلى من يثيره أو يحرّضه على الفتنة ؟
يبدو أنّ المؤرّخين الذين نقلوا قصة ابن سبأ يتصوّرون أنّ المجتمع الإسلامي كان في ذلك الحين راضياً هادئاً مطمئنّاً ، فلم يكن لديه ما يزعجه أو يقلقه ، وأحسب أنّ هؤلاء المؤرّخين من طراز الوعّاظ الذين يتّبعون في تفكيرهم منطق طاليس القديم ، فهم إذا رأوا حركةً اجتماعيةً تعجّبوا وتساءلوا ! كأنّ الحركة في نظرهم شذوذ في طبيعة المجتمع ، وعرض طارئ عليه .
إنّ المنطق الاجتماعي الحديث يؤمن بأنّ المجتمع ذو طبيعةٍ حركيةٍ أصيلةٍ فيه ، فهو في صيرورة دائمة ، أو ما يطلقون عليه في الاصطلاح العلمي
( Process ) .
والمنطق الحديث لا يعجب حين يرى المجتمع متحرّكاً ، إنّما هو يعجب ويتساءل حين يراه ساكناً ، فالسكون في نظر المنطق الحديث شذوذ عارض ، أمّا الحركة فهي الأساس الذي يقوم عليه الكيان الاجتماعي في معظم الأحيان .
إنّ المجتمع الإسلامي في تلك الفترة التي ظهر فيها أبو ذرّ كان يعاني أزمةً اجتماعيةً كبرى ، فكان الفرق بين الغني والفقر شاسعاً تتقزّز منه النفوس .
هامش
( 1 ) . وعّاظ السلاطين : 96 ، ط - بغداد ، العراق .