يبدو أنّه لم يبرز مصلح أو مفكّر يدّعي هذا الرأي ، فالجميع متّفقون على تعاطي التاريخ وحوادثه ومفرداته ، لكنّهم اختلفوا في زاوية النظر .
فمن نظرة قدسية لاتقبل تناول حوادث التاريخ إلّابالتقريظ ، إلى أُخرى لا ترى ضرورةً من تناولها في هذه المرحلة بالذات لئلّا نثبّط عزائم المصلحين ومن يرون مبدأ التقريب ، وهناك النظرة اللامبالية ؛ لما يعود من أثر سيّئ على مسيرة الأُمة ، فهي لا ترى في هذه المسائل إلّامجموعة مليئة بالأخطاء ينبغي تصحيحها ، إذ أثرها وهي خامدة أكثر سلباً فيما لو أُثيرت عنها الغبار .
وهناك أيضاً النظرة التفاؤلية التي تتّخذ الموضوعية وسيلةً لحلّ هذا التنافر والاختلاف ، والسعي إلى تقريب « القلوب » قبل « الأفكار » ، انطلاقاً من مبدأ « احترامالغير » ، ومحاولة ردّ دعواه بالدليل إن وجد ، وإلّا فلا طائل ممّا يراد منه .
ذلك أنّه لا يخلو شعب أو أُمة تمتلك تاريخاً ليس فيه أخطاء ! فيتوهّم من يظنّ أنّ تفوّق الشعوب وتقدّم الأُمم إنّما جاء من ماضيها المقدس الخالي من الأخطاء والمآسي ، أو جاء على طبقٍ من ذهب ، من دون عناءٍ ومشقّةٍ ، أو تحرّجٍ من تناول تاريخها بالنقد والمناقشة .
فإنّ ماضي الأُمم الغربية كان مليئاً بالأخطاء والتنافر اللذين أثمرا مآسٍ لعدّة قرون تلت ، ووصلت إلى حدٍّ مقرف ومخجل في أحيان كثيرة ، لكثرة مامورست فيه من جرائم وجنايات ، زُهقت أرواح كثيرة ، وعُطِّلت عقول جبّارة بعنف وخشونة .
ولا نظنّ أنّ سيرة محاكم التفتيش الأوربية المرعبة ، وما اقترفته من جنايات مثيرة للقرف تخفى على أحد . وكيف كانت تجمع الناس على شكل طوابير وأرتال ، ثم تصفّ في ساحات الاعدام ، ثم يتمّ تصفيتهم بدم بارد ، ليس لشيء إلّابسبب رفضهم تحويل أراضيهم إلى مراعٍ كي تجد مصانع الغزل والنسيج حاجتها من الصوف ! !
كما وأنّ قصة « غاليلو » وكروية الأرض معلومة لدى لجميع ، لا حاجة إلى ذكرها أو التعليق عليها .
عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال — صفحة 10
مساهمون: السيد هادي الخسروشاهي
ص١٠