حديث الثقلين :
« فلا تقدموهما - أي القرآن والعترة - فتهلكوا ، ولا تقصّروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم » .
وقد علّق ابن حجر على هذه الفقرات من الحديث الشريف فقال :
« في قوله صلى الله عليه وآله دليل على أنّ من تأهّل منهم للمراتب العليّة والوظائف الدينية كان مقدَّماً على غيره » « 1 » .
ولا شكّ أنّ المقصود من حثّه صلى الله عليه وآله على التمسّك بالقرآن والعترة إنّما هو الاهتداء بهما ، والاسترشاد بحكمها وأقوالهما كي لايضلّوا ، وواضح أنّ من ترك التمسّك بهما ضلّ الطريق بعد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وسلك طريقاً قد خالف القرآن والسنة : وهذا أمر معلوم من منطوق الحديث ومفهومه .
هذا رأي الإمامية في حجّية إجماع أهل البيت « 2 » ، وأمّا رأي المذاهب الإسلامية
هامش
( 1 ) الصواعق المحرقة : ص 151 .
( 2 ) لا يخفى أنّ هذا القول قد درج عليه جماعة كبيرة من علماء وأصولي أهل السنّة ونسبوه إلى الشيعة الإمامية ، أمثال : ابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل : ص 57 ، وصاحب المدخل إلى مذهب أحمد : ص 132 ، والشنقيطي في نشر البنود : ج 2 ص 91 ، والقاضي في شرحه : ص 133 ، والشيرازي في تبصرته : ص 368 ، والآمدي في إحكامه : ج 1 ص 209 ، والشوكاني في الإرشاد : ج 1 ص 294 وغيرهم ، على أنّ الإجماع - أيّ إجماع - لا ينعقد إلّابإجماع العترة ، وأمّا سواه فهو عارٍ عن الصحّة والمنجّزية ، ولعلّ المؤلف يذهب إلى هذا المشهور الدارج على الألسن كما يظهر من كلماته الشريفة .
والحقيقة أنّ هذا القول لم يقل به من الشيعة غير الزيدية ، ويظهر بجلاء كلّ من رغب في مراجعة الكتب التالية : شرح طلعة الشمس للسالمي : ج 2 ص 809 ، وشفاء غليل السائل : ص 85 ، والبحر الزخّار لأحمدبن يحيى : ج 1 ص 185 .
وأمّا الإمامية ، فلا يرون هذا الرأي ، ولا يذهبون إليه ، وذلك أنّهم يرون أنّه لا حاجة في اعتبار أقوال العترة إلى حصول الإجماع بينهم عليها ، ولم يشترطوا قولهم عليهم السلام في انعقاده ، بل اعتقادهم ينصبّ في أنّ كلّ قولٍ أوفعلٍ أوتقرير الذين اذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً هو حجّة برأسه ، باعتبار كون ما يصدر عنه إنّما هو امتداد للنبي صلى الله عليه وآله وسنّته الشريفة الصحيحة . وأنّ الإجماع يكفي بانعقاده اتّفاق جماعة من مجتهدي وعلماء هذه الأمة وإن لم يكن شكل الأكثرية ، على تفصيل موكول في محلّه . راجع في ذلك الذريعة للسيد المرتضى : ج 2 ص 605 ، والوافية للتوني : ص 57 ، ومصادر الحكم الشرعي لكاشف الغطاء : ص 23 ، ودرر الفوائد للحائري : ج 2 ص 371 ، وأصول الفقه المقارن للحكيم ، ضمن مبحث : سنّة أهل البيت ، تجد فيها الكلام وافياً .
نعم ، يُذكر في البين أَنّ الحلّيَّين - المحقّق والعلّامة - قد تعرّضا لعنوان « إجماع العترة » في كتابيهما : معارج الأصول : ص 130 ، ومبادئ الوصول إلى علم الأصول : ص 195 غير أنّهما ذكراه باعتبار أنّ العترة مشتملة على المعصوم ، فإجماعهم إنّما هو كاشف عن قول المعصوم ، وقد صرّح ببيانه المحقّق الحلّي في كتابه المعارج ، فليراجع .