ولو أراد بيوت السكن التي تقدّم ذكرها لكرّر جمعها ، وألحق بها نون النسوة ، لتكون المقصودة بالذات .
فذكر « البيت » مفرداً ومتوسّطاً بين آيتين ، في كلٍّ منهما جاء « البيت » بالجمع ، لأكبر دليلٍ على أنّ هذا المفرد ليس من تلك البيوت ، وأنّ أهله ليسوا مثل أهلها ، فقد كان كلّ فردٍ من هذا البيت الطاهر أقرب الناس وأطوعهم إلى امتثال أمره ونهيه ، صلوات اللَّه عليه وعلى أهل بيته الطاهرين .
إنّ بيت الزوجية يكوّنه السبب بإيقاع العقد الشرعي فيجعله سكناً ومسكناً ، وتقوّض دعائمه في كلمة واحدة تؤذن بالطلاق ، فإذا البيت يتهدّم ، وإذا بالزوجة تصبح امرأة أجنبية تخرج من أهله إلى أهلها .
والبيت الثاني « بيت النبوّة » يكوّنه النسب ، وكانت آية التطهير حجر الأساس لبناء كيان هذا البيت ، لأنّ العصمة ملكة في النفس تمنع صاحبها من أن تشوبه شائبة ، فهو أبداً طاهر مطهّر ، من طهر طاهر .
وقد أراد اللَّه تعالى بعد أن عرّف الناس بالبيت الأول : أن يعرّفهم منزلة البيت الثاني ، ليتّضح الفرق بين البيتين ، فيفهم كلّ بيتٍ على واقعه ، وحتّى لا يحصل الالتباس ، أويطبّق في حقّهما القياس ، فيكون كقياس « إذ » على « إذا » والمبتدأ على الخبر .
وهم كما قال عنهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
« نحن أهل البيت لا يُقاس علينا أحد » « 1 » .
إنّ البيت الأول تشيده كلمة وتهدمه كلمة ، وإنّ البيت الثاني خالد ما خلد الدهر ، لأنّهم سلام اللَّه عليهم أمان لأهل الأرض ، قال جدّهم صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الإمام أحمد في المناقب :
« النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض » « 2 » .
هامش
( 1 ) رواه أنس بن مالك ، أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال : ج 12 ص 104 ح 34201 عن الديلمي في فردوسه .
( 2 ) مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام : ص 21 ، وأخرجه الحاكم أيضاً في المستدرك : ج 2 ص 448 بسنده عن جابر ، وقال : صحيح على شرط الشيخين . والهيثمي أيضاً في مجمع الزوائد : ج 10 ص 17 .