فهما الآن ببرج قرنا * مستطيل وعن الفكر غروب
وهو منها قد تدلّى ودنا * مثلما التفّ قضيب بقضيب
* * *
يا خليلي إلى الكرخ اذهبا * بي ففي وادي طواها أربي
فوق وجنا خلقت ريح الصبا * خلفها داني الخطا وهو كبي
وإذا ما الليل أرخى الحجبا * رفعت بالخفّ مرخى الحجب
قدحت زند الحصى فيه لنا * فأظاءت ظلمة الحزن المجوب
وطويناهم إلى رحب الفنا * منشرات من بطاح وسهوب
* * * وبمثل هذا النموذج من الموشّحات وغيرها يلمس القارئ قوّة الأسر في النظم ، وصحّة الأداء في التعبير ، ومراعاة الجناس والطباق في جرس الألفاظ ، ورقّة الأفكار تارةً وفخامتها تارةً أُخرى ، فالشعر هذا قد نظم قبل ثمانين عاماً ، وهو وليد بيئته ، إن لم يكن قد تجاوزها في التصوير ، وهي حقبة كافية للنظر في الأبعاد الأدبية لحياة النجف الأشرف آنذاك فكراً وثقافة ، ولعقلية الشيخ كاشف الغطاء أدباً جميلًا متوازناً « 1 » .
هذا من حيث الشعر .
أمّا النثر فحدِّث ولا حرج ، حيث كان رحمه الله ذا بيان ساحر جذّاب وأُسلوب مشرق وهّاج ، يرسل الكلام في تعبير قوي ولسان ذلق وفصاحة نادرة ، حتّى لتنقضي الساعات الطويلة على السامع وهو لا يحسبها سوى دقائق قصيرة ، وطالما كان يرقى المنابر في شتّى المناسبات ، فيملك القلوب بسحر بيانه ، ويستولي على العقول بحلاوة منطقه . وكان يصدح بخطاباته الرشيقة في أماكن شتّى ، كالنجف ، وبغداد ، والبصرة ، والحلّة ، والديوانية ، والناصرية ، ودمشق ، وبيروت ، وصيدا ، وحيفا ، وصور ، وجنين ، والقدس ، وهمدان ، وشيراز ، وخرّم شهر ، وآبّادان ، وغيرها .
فمن جملة كلامه : « ليس الشرف إلّاأن يكدح الإنسان في معركة الحياة حتّى
هامش
( 1 ) انظر أساطين المرجعيّة العليا : 233 - 236 .