وهو قادر على فعله ، والا لو الجيء إلى الفعل فقط ، أو الترك فقط لانتفت عنه الانسانية ، وأصبح آلة صماء لا يستحق مدحا وثوابا ، ولا ذما وعقابا .
ثم إن اختيار الانسان في فعل ما امر اللّه به . وترك ما نهى عنه لا يتنافى ابدا في أن يكون في ظروف خاصة تخرج عن ارادته ، وان يكون لهذه الظروف نوع من التأثير فيما يفعل ، أو يترك ، وإليك هذا المثال :
رجل جائع دعي إلى شهادة الزور لقاء مبلغ من المال ، فهو من جهته هذه يبدو انه مضطر إلى الكذب ، ولكنه من جهة ثانية يستطيع أن يضغط على ارادته ، ويصبر يوما أو بعض يوم ، ويجتهد في البحث عن سبيل مشروع ويطرق من اجله كل باب ، فإذا تعجل ولم يصبر كان آثما وان كان جرمه دون جرم المتخمين ، اما إذا صبر ولم يشهد فيضاعف له الاجر مرتين ، مرة على الترك ، وأخرى على الصبر .
وفي هذه الحال تعرف الرجال ، وتميز الدين الصحيح من الزائف ، والايمان القوي من الضعيف ، فالمؤمن حقا يطيع اللّه في العسر واليسر ، والصحة والمرض ، والرضا والغضب ، لا في حال دون حال ، قال الإمام زين العابدين ( ع ) :
( اللّهمّ ارزقي التّحفّظ من الخطايا والاحتراس من الزلل في حال الرّضا والغضب ، حتّى أكون بما يرد عليّ منهما بمنزلة سواء ، عاملا بطاعتك مؤثرا لرضاك في الأولياء والأعداء ، حتّى يأمن عدوّي من ظلمي وجوري ) .
عقليات إسلامية — صفحة 855
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٨٥٥