تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عقليات إسلامية — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
المعرفة لا تحصل إلا من الحواس وحدها ، أو من العقل وحده ، أو منهما متعاونان ، أو قال : الأمور كلها نسبية ولا حقائق مطلقة ، أو قال : الكون قديم أو حديث ، وان أصله ذرات أو غازات ، وأصل الإنسان قرد أو طحلب ، وان الأرض قطعة من الشمس ، والمادة في حركة دائمة ، وان هذا خير أو شر ، وذاك جميل أو قبيح ، وما إلى ذلك من الأحكام العامة فهو غيبي ميتافيزيقي ، لأنه لم يجرب ويشاهد . بل العلماء الذين جربوا وشاهدوا ميتافيزيقيون أيضا ، إذ لا غنى لهم عن العقل والإدراك الذي لا ينفك عن الذات بحال ، فالمعرفة أيا كان سببها فإنها ترد صاحبها إلى ذاته . ولذا قيل : لا يوجد أشياء ذاتية خالصة مئة بالمئة ، ولا موضوعية مطلقة مئة بالمئة ، وإنما تتكيف الذات بحسب الموضوع ، ويتكيف الحكم على الموضوع بحسب الذات . وعلى هذا تكون الميتافيزيقا على أنواع لا نوع واحد ، فمن الخطأ ان تحصرها بما وراء الطبيعة فقط . لأن كل فكرة لا تقوم على التجربة والمشاهدة فهي غيبية ميتافيزيقية ، سواء أكان مصدرها العقل أو الوحي أو أي سبب آخر . ان سبيل الحقيقة لا ينحصر بالتجربة والمشاهدة ، ولا سبيل الخرافة بالغيب والميتافيزيقا ، وإنما معيار الحقيقة ومدارها أن تكون ثابتة في نفسها ومطابقة للواقع ، وللحقائق الغيبية واقع خارجي ، تماما كالحقائق الطبيعية . وقال قائل : كيف يكون الغيب حقيقة مع بعده عن عالم الشهادة الذي نعيش فيه ؟ ! ان لفظة غيب بنفسها تشعر بالعدم المحض الذي لا يصح وصفه بالكذب ولا بالصدق ، لأن ما يوصف بالكذب ينبغي أن يكون قابلا للاتصاف بالصدق - مثلا - إذا قال لك قائل : في الصندوق أربع برتقالات ، فبإمكانك أن تتحقق من هذا الزعم بالنظر في داخل الصندوق ، فإن وجدت فيه البرتقالات الأربع فهو صادق وإلا فهو كاذب ، أما الذي لا تمكن فيه
عقليات إسلامية — صفحة 262 | محمد جواد مغنية