الشكل الأول ، وإذا قبل صورة من نقش أو رسم فلا يقبل أخرى .
فإذا رسمت صورة على لوحة أو ورقة فلا يمكنك أن ترسم عليها شيئا غيرها حتى تمحي الأولى . أما العقل فتتراكم فيه الانطباعات المختلفة والصور المتنوعة من المحسوسات والمعقولات دون أن تمحي الأولى ، بل تبقى كاملة ، وتزداد قوة بالثانية ، لأن الانسان يزداد فهما كلما ازداد علما . وهذه صفة مضادة لصفات الأجسام التي يلحقها الفتور والكلل كلما تكدست عليها الأثقال .
أما القول بأن العقل لا يوجد من غير مخ فأمر لا أستطيع الجزم به وكل ما أعلمه أن الجسم لا يدرك من غير عقل ، وان العقل اسم مجرد نطلقه على عملية التفكير والنظر ، وانه يغاير المادة ، والمادة تغايره .
أما افتقار العقل إلى الجسم فعلمه عند ربي ، كما اني ما زلت أجهل نوع العلاقة بين العقل والمخ ، وهل هي علاقة حالّ ومحل ، أو كعلاقة الحياة بالجسم ، أو كعلاقة الآلة بمديرها . اللّه أعلم . وإذا عجزنا عن تصور وجود العقل بلا مخ ، وعن نوع العلاقة بينهما فذلك لنقبص فينا نحن لا لعدم امكانه في ذاته .
وبالتالي ، فان مصطفى محمود أنكر العالم الآخر ، لأنه عجز عن رسم خريطة أو صورة هندسية له . أما سقراط وأمثاله من أرباب الذكاء والفكر فقد حكموا على الذين جحدوا يوم الحساب والجزاء بما يعملون من خير أو شر ، حكموا عليهم بأنهم أموات في صور متحركة كصور الأفلام .
وأكتفي الآن بهذه الإشارة تاركا التفصيل إلى كتاب مستقل يجمع أقوال المؤمنين والملحدين وكل ما يتصل بهذا الموضوع الخطير ، واسم الكتاب « الآخرة والعقل » . وغرضي من هذه الكلمة ان أستدرك بها ما لم أتعرض له في ردي على الكاتب الذي نشرته في صحف القاهرة وبيروت ، ثم أدرجته في كتابي « الاسلام مع الحياة » .
الاسلام والعقل — صفحة 41
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤١