ضيقا أجوف منحدرا ، ينحط فيه الرّكب ، كأنّهم يسيرون في هاوية ، وكان جيش العدوّ قد سبقهم إلى احتلال مضايقه ، وكمن فيها ، وما إن وصل المسلمون إلى الوادي ، حتّى امطرهم العدوّ بوابل من السّهام ، فانهزم النّاس وتفرقوا عن النّبيّ لا يلوي أحد على أحد ، وكان أوّل المنهزمين الطّلقاء أبا سفيان ، ومن لفّ لفّه ، ونظر أبو سفيان إلى هذه الهزيمة نظرة الشّامت الحقود ، وفرح فرحا شديدا ، وقال : « لا تنتهي هزيمتهم دون البحر » « 1 » .
وثبت مع رسول اللّه عليّ شاهرا سيفه بين يدي الرّسول ، والعبّاس ابن عبد المطلب ، وكان آخذا بلجام بغلة الرّسول ، والفضل بن العبّاس عن يمين النّبيّ ، والمغيرة بن الحارث بن عبد المطلب عن شماله ، وحين رأى المشركون انهزام المسلمين خرجوا من شعاب الوادي ، ومضايقه مصلتين سيوفهم ، وقصدوا رسول اللّه ، فقال النّبيّ لعمّه العبّاس ، وكان جهوري الصّوت : ناد القوم ، وذكرهم العهد ، فنادى بأعلى صوته يا أهل بيعة الشّجرة ، يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرون ؟ إذكروا العهد الّذي عاهدتم عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا سمع الأنصار نداء العبّاس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم ، وهم يقولون : لبيك لبيك ، فاستقبل بهم النّبيّ الأعداء واقتتل الفريقان قتالا شديدا « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر ، السّيرة النّبويّة لابن هشام : 4 / 72 ، تأريخ الطّبري : 2 / 347 ، الكامل في التّأريخ : 2 / 100 ، إمتاع الأسماع : 1 / 411 ، تأريخ اليعقوبي : 2 / 62 ، البداية والنّهاية لابن كثير : 4 / 374 .
( 2 ) انظر ، مناقب عليّ بن أبي طالب لابن المغازلي : 65 ح 93 و 84 ح 120 و 125 و 104 ح 146 و 147 ، المناقب للخوارزمي الحنفي : 72 و 106 و 111 و 235 ، تأريخ ابن عساكر : 1 / 74 و 76 و 121 ح 121 - 124 و 126 ، و : 2 / 257 ح 773 و 774 و 476 ح 996 و 997 ، كفاية الطّالب -