إن البدعة بالمعنى اللغوي قد تكون لها علاقة بالدين وقد لا تكون
كذلك ، وهي تنقسم إلى قسمين ، إذ إن كل شئ محدث مفيد للحياة
الإنسانية من العادات والتقاليد والرسوم إذا تم أداءه من دون اعتباره جزء
من الدين ولم يكن محرما " بذاته " كان بدعة حسنة ، مثل الاحتفال بيوم
الاستقلال ، أو الاجتماع للبراءة من المشركين ، أو الاحتفال التأبيني
لتكريم بطل من أبطال الأمة ، وبشكل عام فإن ما هو حلال بالذات لا مانع
من أن تتفق عليه الأمة وتتخذه عادة متبعة في المناسبات ، ما لم يرد فيه
نهي فهو بهذا المعنى بدعة لغوية .
أما إذا كان محرما " بالذات " مثل سفور النساء أمام الرجال ، فلو أصبح
ذلك رائجا واتخذ عادة وتقليدا ، فإنه أمر محرم بالذات ، أي أنه عصيان
للأمر الإلهي والتشريع ، وهذه الحرمة لا تتأتى من كونه بدعة بالمعنى
الشرعي بمعنى التدخل في أمر الدين وإنكار أن الحجاب جزء من التشريع
الديني ، فالقائلون بالسفور يحتجون بأن ذلك جزء من مقتضيات العصر
والحضارة مع الاعتراف بأنه مخالف للشريعة ، ولو قيل أن السفور بدعة
قبيحة فذلك بمعناها اللغوي لا بمعناها الشرعي .
ويتضح من خلال ذلك أن أكثر الذين أطنبوا في الحديث في تقسيم
البدعة إلى حسنة وسيئة قد خلطوا بين المعنى اللغوي للبدعة وبين
معناها الشرعي ، مستشهدين بذلك بأمثلة زاعمين أنها من البدع بمعناها
الشرعي مع أن أمرها يدور بين أمرين :
فهي أما أن يعمل بها باسم الدين والشريعة ، ويكون لها أصل فيهما ،
فتخرج بذلك عن دائرة البدعة ، مثل تدوين الكتاب والسنة إذا توفرت
الخشية عليهما من التلف والضياع ، وبناء المدارس وغيرها ، فمثلوا
البدعة مفهومها وحدودها — صفحة 44
مساهمون: مركز الرسالة
ص٤٤