الكلب بتسليط الخنزير ، وجعلت الكلّ مقهورين تحت السياسة اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكلّ على الصراط المستقيم ، وإن لم تجاهدهم قهروك واستخدموك ، فلا تزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر في تحصيل مطلوبات الخنزير ومرادات الكلب ، فيكون دائما في عبادة كلب وخنزير . وهذا حال أكثر الناس الذين همّتهم مصروفة إلى البطن والفرج ومناقشة الخلق ومعاداتهم .
والعجب منك انّك تنكر على عبّاد الأصنام عبادتهم لها ، ولو كشف الغطاء عنك وكوشفت بحقيقة حالك ومثّل لك ما يمثّل للمكاشفين إمّا في النوم أو اليقظة لرأيت نفسك قائما بين يدي خنزير مشمّرا ذيلك في خدمته ، ساجدا له مرّة وراكعا أخرى ، منتظرا لاشارته وأمره ، فمهما طلب الخنزير شيئا من شهواته توجّهت على الفور إلى تحصيل مطلوبه واحضار مشتهياته ، ولأبصرت نفسك جاثيا بين يدي كلب عقور عابدا له ، مطيعا لما يلتمسه ، مدقّقا للفكر في الحيل الموصلة إلى طاعته ، وأنت بذلك ساع فيما يرضي الشيطان ويسرّه ، فإنّه هو الذي يهيّج الخنزير والكلب ويبعثهما على استخدامك ، فأنت من هذا الوجه عابد للشيطان وجنوده ، ومندرج في المخاطبين المعاتبين يوم القيامة بقوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
« 1 » .
فليراقب كلّ عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده لئلّا يكون ساعيا طول عمره في عبادة هؤلاء ، وهذا غاية الظلم ، حيث صيّر المالك مملوكا والسيّد عبدا والرئيس مرؤوسا ، إذ العقل هو المستحقّ للسيادة والرئاسة والاستيلاء ، وهو قد سخّره لخدمة هؤلاء ، وسلّطهم عليه وحكّمهم فيه .
هامش
( 1 ) يس : 60 .