وبشكل واضح : أنّ معنى القضاء والقدر يلتقي مع المعنى الفلسفي للقضاء والقدر المستمدّ من تحليل معنى القضاء والقدر عند العرف واللغة ، فالجذر اللغوي للقضاء لا يخرج عن المعنى الحقيقي المتمثِّل في البتّ والإمضاء وهو عين المعنى الذي أفادته النصوص الروائيّة .
وهكذا الأمر بالنسبة للقدر فإنّ المعنى اللغوي للقدر لا يخرج عن المعنى الحقيقي المتمثِّل في مبلغ الشيء ومقداره .
2 أفادت النصوص الروائيّة أنّ القدر سابق على القضاء ، على العكس ممّا تعارف في الاصطلاح عليه من تقديم القضاء على القدر ، وبالتأمّل ممّا تقدّم من معنى القضاء والقدر يتّضح سبب ذلك بشكل واضح ؛ فإنّ التقدير إذا كان بمعنى تحديد وجود الشيء وتبيين مقداره ومعالمه ، فعلى هذا لابدّ أن يكون القدر مقدّماً على القضاء ؛ لأنّ الشيء إنّما يتحدّد بكلّ جزء من أجزاء العلّة ؛ فإنّ كلّ واحد منها يؤثّر أثره في المعلول ، فحيث إنّ أجزاء العلّة تتحقّق قبل تمامها ، وكلّ جزء منها يؤثّر أثره ، ويكون أثره تحديد الموجود ، فيجب أن يكون التقدير مقدّماً على القضاء .
فإنّ القدر بمنزلة الخارطة التي ينهض على وفقها البناء ، وهو ما صرّحت به النصوص الروائيّة من أنّ الشيء لا يمكن أن يقضي به تعالى إلّا إذا تقدّمه تقدير وتحديد منه تعالى .
وبهذا يتّضح سرّ تأكيد الروايات الشريفة على تقدّم القدر على القضاء ، فقد روى البرقي في المحاسن بسنده عن هشام بن سالم قال : « قال أبو عبد الله ( ع ) :
إنّ الله إذا أراد شيئاً قدّره ، فإذا قدّره قضاه ، فإذا قضاه أمضاه
» « 1 » .
وروى أيضاً بسنده عن محمّد بن إسحاق قال : « قال أبو الحسن ليونس مولى عليّ بن يقطين :
يا يونس لا تتكلّم بالقدر
. قال : إنّي لا أتكلّم بالقدر ، ولكن أقول : لا يكون إلّا ما أراد الله وشاء وقضى وقدّر . فقال : ليس هكذا أقول ،
هامش
( 1 ) المحاسن للبرقي : ص 243 .