الفرق الأوّل : إنّ المنظور في القضاء هو خصوصيّة الوجوب والضرورة والإبرام والجزم ، وعلى أساس هذه الخصوصيّة يتّصف الفعل بأنّه قضاء من الفاعل .
أمّا المنظور في القدر فهو الخصوصيّة التي يتحقّق على أساسها المعلول من علله وشرائطه وحدوده ، وعلى هذا الأساس فإنّ الشيء المقدّر قد يتخلّف عن مقتضاه وذلك فيما إذا لم تتحقّق علّته التامّة .
قال الطباطبائي في حاشيته على الأسفار : « ومن هنا يظهر أوّلًا أنّ القدر ربما يتخلّف عن مقتضاه ، وذلك إذا كان ملحوظاً بالنسبة إلى بعض أجزاء العلّة التامّة دون مجموعها » « 1 » .
الفرق الثاني : إنّ موطن القدر هو عالم المادّة ؛ لأنّه هو الذي يمكن تصوّر العلّة الناقصة والشرائط وارتفاع الموانع فيه ، وأمّا عالم التجرّد وهو عالم المثال والعقل ، فالعلّة فيه تامّة وهي إن وجد يوجد المعلول ، وإن لم توجد فلا يتحقّق
المعلول ، ولا وجود للعلّة الناقصة في عالم التجرّد .
قال المصنّف : « ومن هنا يظهر أوّلًا . . . وثانياً أنّ موطن القدر هو عالم المادّة الذي تتكثّر فيه العلل وتتعاون وتتزاحم ، وأمّا عالم التجرّد فكلّ علّة فيه واحدة تامّة ؛ لانتفاء العلّة المادّية والصوريّة والشرائط والمعدّات والموانع ، فلا يبقى إلّا العلّة الفاعليّة والغائيّة ، وهما في الفاعل المجرّد التامّ الفعليّة متّحدان » « 2 » .
الفرق الثالث : إنّ القضاء أعمّ مورداً من القدر ، حيث إنّ القضاء شامل لعالم العقل والمثال والمادّة ، لأنّ القاعدة الفلسفيّة القائلة بأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد ، شاملة لكلّ العوالم والنشآت ، أي شاملة لعالم العقل وعالم المثال وعالم المادّة ، أمّا القدر فهو مختصّ بعالم المادّة الذي تتكثّر فيه العلل كالعلل المادّيّة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه : ص 292 ، حاشية رقم ( 2 ) .
( 2 ) المصدر نفسه .