الجزء الثاني
وللباحثينَ في علمِه تعالى اختلافٌ كثيرٌ حتّى أنكرَه بعضُهم مِن أصلِه ، وهوَ محجوجٌ بما قامَ على ذلكَ مِن البرهانِ . وللمثبتينَ مذاهبُ شتّى :
أحدُها : أنّ لهُ تعالى علماً بذاتِه دونَ معلولاتِها ، لأنّ الذاتَ المتعاليةَ أزليّةٌ ، وكلُّ معلولٍ حادثٌ .
وفيه : أنّ العلمَ بالمعلولِ في الأزلِ لا يستوجبُ كونَه موجوداً في الأزلِ بوجودِه الخاصِّ به ، على أنّه مبنيٌّ على انحصار العلمِ الحضوريِّ في علمِ الشيءِ بنفسِه وأنّ ما دونَ ذلك حصوليٌّ تابِعٌ للمعلومِ ، وهو ممنوعٌ بما تقدّمَ إثباتُه مِن أنّ للعلّةِ المجرّدةِ علماً حضوريّاً بمعلولِها المجرّدِ ، وقد قامَ البرهانُ على أنّ له تعالى علماً حضوريّاً بمعلولاتِه قبلَ الإيجادِ في مرتبةِ الذاتِ وعلماً حضورياً بها بعدَ الإيجادِ في مرتبةِ المعلولاتِ .
الثاني : ما يُنسبُ إلى أفلاطونَ أنّ علمَه تعالى التفصيليَّ هو العقولُ المجرّدةُ والمثلُ الإلهيّةُ التي تجتمعُ فيها كمالاتُ الأنواع تفصيلًا .
وفيه : أنّ ذلك مِن العلمِ بعدَ الإيجادِ ، وهو في مرتبةِ وجوداتِها الممكنةِ ، وانحصارُ علمِه تعالى التفصيليِّ بالأشياءِ فيها يستلزمُ خلوَّ الذاتِ المتعاليةِ في ذاتِها عن الكمالِ العلميِّ ، وهو وجودٌ صرفٌ لا يشذُّ عنهُ كمالٌ مِن الكمالاتِ الوجوديّةِ .
الثالثُ : ما يُنسبُ إلى فرفوريوسَ أنّ علمَه تعالى بالاتحادِ معَ المعلومِ .