فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصّورة العلميّة كيفما كانت مجرّدة من المادّة خالية عن القوّة و إذ كانت كذلك فهى قوىّ وجودا من المعلوم المادّىّ الذّى يقع عليه الحسّ و ينتهى إليه التّخيّل و التّعقل و لها آثار وجودها المجرّد و أمّا آثار وجودها الخارجىّ المادّىّ التّى نحسبها متعلّقة للادراك فليست آثارا للمعلوم بالحقيقة الذّى يحضر عند المدرك حتّى تتّرتب عليه أو لا تتّرتب و إنّما هو الوهم يوهم للمدرك أنّ الحاضر عنده حال الادراك هو الصّورة المتعلّقة بالمادّة خارجا فيطلب آثارها الخارجيّة فلا يجدها معها فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتّب الآثار الخارجيّة .
فالمعلوم عند العلم الحصولىّ بأمر له نوع تعلّق بالمادّة هو موجود مجرّد هو مبدء فاعلىّ لذلك الامر واجد لما هو كماله يحضر بوجودها الخارجىّ للمدرك و هو علم حضورىّ و يتعقّبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهيّة و الآثار المترتّبة عليه فى الخارج .
و بتعبير آخر : العلم الحصولىّ اعتبار عقلىّ يضطرّ إليه العقل مأخوذ من معلوم حضورىّ هو موجود مجرّد مثالىّ او عقلىّ حاضر بوجوده الخارجىّ للمدرك و إن كان مدركا من بعيد .
و لنرجع إلى ما كنّا بصدده من الكلام فى تعريف العلم فنقول : حصول العلم و وجوده للعالم ممّا لا ريب فيه و ليس كلّ حصول كيف كان ، بل حصول أمر هو بالفعل فعليّة محضة لا قوّة فيه لشىء أصلا ، فانّا نجد بالوجدان أنّ الصّورة العلميّة من حيث هى لا تقوى على صورة اخرى و لا تقبل التّغيّر عمّا هو عليه من الفعليّة فهو حصول المجرّد من المادّة عار من نواقص القوّة و نسمّى ذلك حضورا .
فحضور شىء لشىء حصوله له بحيث يكون تامّ الفعليّة غير متعلّق بالمادّة بحيث يكون ناقصا من جهة بعض كمالاته التّى فى القوّة .
و مقتضى حضور العلم للعالم أن يكون العالم أيضا تامّا ذا فعليّة فى نفسه غير ناقص من حيث بعض كمالاته الممكنة له و هو كونه مجرّدا من المادّة خاليا عن القوة فالعلم حصول أمر مجرّد من المادّة لأمر مجرّد و إن شئت قلت : حضور شىء لشىء .
شرح نهاية الحكمة ( فارسى ) — صفحة 321
مساهمون: الشيخ حسين الحقاني
ص٣٢١