الفصل الثامن : في معنى نفس الأمر
قد ظهر ممّا تقدّم [ في الفصل الرابع ] أن لحقيقة الوجود ثبوتاً وتحقّقاً بنفسه ، بل الوجود عين الثبوت والتحقّق ، وأن للماهيات - - وهي التي تقال في جواب ما هو ، وتوجد تارة بوجود خارجي فتظهر آثارها ، وتارة بوجود ذهني فلا تترتّب عليها الآثار - - ثبوتاً وتحقّقاً بالوجود لا بنفس ذاتها ، وإن كانا متّحدين في الخارج ، وأن المفاهيم الاعتبارية العقلية - - وهي التي لم تُنتزع من الخارج ، وإنّما اعتبرها العقل بنوع من التعمّل ، لضرورة تضطرّه إلى ذلك ، كمفاهيم الوجود والوحدة والعلّية ونحو ذلك - - - أيضاً لها نحو ثبوت بثبوت مصاديقها المحكية بها ، وإن لم تكن هذه المفاهيم مأخوذة في مصاديقها أخذ الماهية في أفرادها وفي حدود مصاديقها .
وهذا الثبوت العام الشامل لثبوت الوجود والماهية والمفاهيم الاعتبارية العقلية ، هو المسمّى ب - « نفس الأمر » التي يعتبر صدق القضايا بمطابقتها فيقال : إن كذا كذا في نفس الأمر .
توضيح ذلك : إن من القضايا ، ما موضوعها خارجي بحكم خارجي كقولنا : « الواجب تعالى موجود » ، وقولنا : « خرج مَن في البلد » ، وقولنا : « الإنسان ضاحك بالقوّة » ، وصدقُ الحكم فيها بمطابقته للوجود العيني . ومنها ما موضوعها ذهنيّ بحكم ذهنيّ ، أو خارجيّ مأخوذ بحكم ذهني ، كقولنا : « الكلّي إما ذاتيّ أو عرضيّ » و « الإنسان