فتبيّن بذلك أنّ الحياة الدنيا بجهاتها المقصودة من اللعب واللهو والزينة وغير ذلك أمر موهوم ، وسراب خيالي ، وهي بعينها في الحقيقة وباطن الأمر عذاب ومغفرة ورضوان ، يظهر ذلك بظهور أنّ جهات الحياة الدنيويّة كانت باطلة موهومة كالحطام للنبات ، وهو قوله سبحانه :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ * وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
« 1 » .
فالآيتان كما ترى في الموت ، وما ينفصل الإنسان عن حياته الدنيا ، فيقول سبحانه فيها إنّ الإنسان سيقبل راجعا إليه سبحانه فردا كما خلق أوّل مرّة ، ويترك الأعضاء والقوى والأسباب التي كان يعتقدها لنفسه أركانا يعتمد عليها ، وأعضادا يتقوّى بها ، وأسبابا يتوصّل بها ، ويطمئنّ إليها ، وسيتقطع ما بين الإنسان وبينها ، أي الروابط التي كان الإنسان يسكن إليها ، ويباهي بها ، من اعتباراته الوهميّة . وحينئذ ذاك ضلال الكلّ ، وزوال الجميع ، وفقدانه ومشاهدته عيانا أنّه كان مغرورا بذلك كلّه ، وقد قال سبحانه :
فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
« 2 » .
وقال سبحانه :
إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ
« 3 » .
وقال سبحانه :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
« 4 » .
والمتاع ما يتمتّع وينتفع به لغيره في الحياة الدنيا ، إنّما يتوصّل به لغرور الإنسان
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : الآيتان 93 و 94 .
( 2 ) سورة لقمان : الآية 33 .
( 3 ) سورة غافر : الآية 39 .
( 4 ) سورة آل عمران : الآية 185 .