عن ذكره إنّما يبلغ علمه الحياة الدنيا لا يتجاوزه إلى غيره الحاصل بالذكر .
فهناك شيء غير الحياة الدنيا ، وفي طوله ربّما بلغه العلم ، وربّما وقف دون الحياة الدنيا .
هذا ، والزائد على هذا المقدار يطلب ممّا سيجيء في أواخر الفصول ، إن شاء اللّه العزيز .
ومن الأخبار في هذا الباب ، ما في البحار ، عن المحاسن ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله ، وأنّه قال : « إنّا معاشر الأنبياء نكلّم النّاس على قدر عقولهم » « 1 » .
أقول : وهذا التعبير إنّما يحسن إذا كان هناك من الأمور ما لا يبلغه فهم السامعين من النّاس ، وهو ظاهر .
وقوله صلّى اللّه عليه واله : « نكلّم . . . الخ » ، ولم يقل : نقول ، أو نبيّن ، أو نذكر ، ونحو ذلك ، يدلّ على أنّ المعارف التي بيّنها الأنبياء عليهم السّلام إنّما وقع بيانها على قدر عقول أممهم ، ميلا من الصعب إلى السهل ، لا أنّه اقتصر بهذا المقدار من المعارف الكثيرة إرفاقا بالعقول ، اقتصارا من المجموع بالبعض .
وبعبارة أخرى : التعبير ناظر إلى الكيف دون الكمّ ، فيدلّ على أنّ هذه المعارف حقيقتها التي هي عليها ، وراء هذه العقول التي تسير في المعارف بالبرهان والجدل والخطابة ، وقد بيّنها الأنبياء عليهم السّلام بجميع طرق العقول من البرهان والجدل والوعظ كلّ البيان ، وقطعوا في شرحها كلّ طريق ممكن .
ومن هنا يعلم أنّ لها مرتبة فوق مرتبة البيان اللفظي ؛ لو نزلت إلى مرتبة البيان دفعتها العقول العادية ، إمّا لكونها خلاف الضرورة عندهم ، أو لكونها منافية للبيان الذي بيّنت لهم به ، وقبلته عقولهم .
ومن هنا يظهر أنّ نحو إدراك هذه المعارف بحقائقها غير نحو إدراك العقول ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : 1 / 106 ، باب 3 - احتجاج اللّه تعالى على النّاس بالعقل ، الحديث 4 .