فكما أنّ للنبات نظاما طبيعيّا في دائرة وجوده من سلسلة عوارض منظّمة طبيعيّة طارئة عليه ، يستحفظ بها جوهره بالتغذّي والنموّ وتوليد المثل ؛ فكذلك الإنسان - مثلا - له نظام طبيعي من عوارض يستحفظ بها جوهره في أركانه ، إلّا أنّ هذا النظام محفوظ بمعاني وهميّة ، وأمور اعتباريّة ، بينها نظام اعتباري ، وتحتها النظام الطبيعي . يعيش الإنسان بحسب الظاهر بالنظام الاعتباري ، وبحسب الباطن والحقيقة بالنظام الطبيعي ، فافهم ذلك !
وبالجملة ، فهذا النظام الاعتباري موجود في ظرف الاجتماع والتمدّن ، فحيث لا اجتماع ولا اعتبار ، وهذا بعكس النقيض .
ثمّ إنّ ما تعرّض لبيانه وشرحه الدين ، من المعارف المتعلّقة بالمبدء ، ومن الأحكام والمعارف المتعلّقة بما بعد هذه النشأة الدنيويّة ، كلّ ذلك بيان بلسان الاعتبار ؛ يشهد بذلك التأمّل الصادق ، وحيث لا ظرف اجتماع ولا تعاون في غير ظرف الأحكام ، وقد أدّيت بلسان الاعتبار . فهناك حقائق أخر مبنيّة بهذا اللسان ، وكذلك مرحلة الأحكام .
وبعبارة أخرى ما قبل هذه النشأة الاجتماعيّة من العوالم السابقة على وجود الإنسان الاجتماعي ، وما بعد نشأة الاجتماع ممّا يستقبله الإنسان من العوالم بعد الموت ، حيث لا اجتماع مدنيّا فيها ، لا وجود لهذه المعاني الاعتباريّة فيها البتّة .
فالمعارف المشروحة في الدين المتعلّقة بها تحكي عن حقائق أخر بلسان الاعتبار ، وكذلك مرحلة الأحكام ، فإنّ الدين الإلهي يجعل الأمور الموجودة فيما بعد هذه النشأة ، مترتّبة على مرحلة الأحكام والأعمال ، ومنوطة ومربوطة حقيقة بها ، ووجود الربط بين شيئين حقيقة ، يوجب اتّحادهما في نوع الوجود وسنخه ، كما برهنّا عليه في محلّه .
وحيث إنّ تلك الموجودات أمور حقيقيّة خارجيّة ، فالنسب إنّما هي بينها وبين الحقائق التي تحت هذه الأمور الاعتباريّة لا أنفسها ، فقد ثبت أنّ لظاهر هذا الدين
الإنسان والعقيدة — صفحة 206
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٠٦