ويفعل ذلك كلّه برحمته .
وفي هذا المعنى خطابه تعالى له صلّى اللّه عليه واله بقوله :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
« 1 » .
ولفظ يبعث كأنّه تضمّن معنى الإقامة ، وهو كلام مطلق لم يعترضه في كلامه سبحانه تقييد ، فهو مقام محمود بكلّ حمد من كلّ حامد ، فهو مقام فيه كلّ جمال وكمال لاقتضاء الحمد ، ذلك فكلّ جمال وكمال مترشّح من هناك ، وقد قال سبحانه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
« 2 » .
فخصّ كلّ حمد من كل حامد بنفسه ، فالمقام المحمود مقام متوسّط بينه سبحانه وبين الحمد ، فهو كالرحمة شيء وليس بشيء ، وهي المسمّاة بالولاية الكبرى .
وقال سبحانه :
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
« 3 » .
وهذا أيضا كلام مطلق ، ومن المعلوم أنّ العطيّة المطلقة منه سبحانه هي الرحمة المطلقة ، فيرجع مضمون الآية إلى الآيتين وهما :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
« 4 » .
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
« 5 » .
وتزيد عليهما بالرضى ، ولم يقل سبحانه : حتّى ترضى ، فإنّ العطيّة هذه غير تدريجيّة بتواتر الأمثال وتعاقب الجزئيّات ، هاهنا كلام كثير لكنّه أرفع سطحا ممّا جزينا عليه في هذه الرسالة .
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : الآية 79 .
( 2 ) سورة الفاتحة : الآية 2 .
( 3 ) سورة الضحى : الآية 5 .
( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 107 .
( 5 ) سورة الإسراء : الآية 79 .