فتارة حاول الناس إبطال دعوى الأنبياء بالحجّة ، كقوله تعالى :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
( إبراهيم : 10 ) ؛ استدلّوا فيها على بطلان دعواهم الرسالة بأنّهم مثل
سائر الناس ، والناس لا يجدون شيئاً ممّا يدّعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة ، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا .
ولهذا أجاب الرسل عن حجّتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله :
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
( إبراهيم : 11 ) فردّوا عليهم بتسليم المماثلة وأنّ الرسالة من منن الله الخاصّة ، وأنّ الاختصاص ببعض النعم الخاصّة لا ينافي المماثلة ، فللناس اختصاصات ، نعم لو شاء الله أن يمتنّ على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع ، فالنبوّة مختصّة بالبعض وإن جازت على الكلّ .
وتارة أُخرى أقاموا أنفسهم مقام الإنكار وسؤال الحجّة والبيّنة على صدق الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول ( على طريقة المنع مع السند باصطلاح فنّ المناظرة ) وهذه البيّنة هي المعجزة .
بيان ذلك : إنّ دعوى النبوّة والرسالة من كلّ نبىّ ورسول على ما يقصّه القرآن إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الإلهى ، فيتوجّه عليه الإشكال من جهتين : إحداهما : من جهة عدم الدليل عليه .
والثانية : من جهة الدليل على عدمه .
فإنّ الوحي والتكليم الإلهى وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية ممّا لا يشاهده البشر من أنفسهم ، والعادة الجارية في الأسباب والمسبّبات تنكره ؛ فهو أمر خارق للعادة ، وقانون العلّية العامّة لا يجوّزه ، فلو كان النبىّ صادقاً