وأما الحديث الثاني فأصله ما رواه القرطبي في تفسيره ( 15 / 308 ) عن الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه عن علي قال : « اجتمعت قريش بعد وفاة أبي طالب بثلاث ، فأرادوا قتل رسول الله ( ص ) فأقبل هذا يجؤه وهذا يتلتله ، فاستغاث النبي ( ص ) يومئذ فلم يغثه أحد إلا أبو بكر وله ضفيرتان ، فأقبل يجأ ذا ويتلتل ذا ويقول بأعلى صوته : ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ! والله إنه لرسول الله . فقطعت إحدى ضفيرتي أبي بكر يومئذ ! فقال علي : والله ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون ، إن ذلك رجل كتم إيمانه فأثنى الله عليه في كتابه ، وهذا أبو بكر أظهر إيمانه وبذل مال ودمه لله عز وجل » ! وابن كثير في سيرته ( 2 / 410 ) والبزاز في البحر الزخار ( 3 / 44 ) عن محمد بن عقيل عن علي ( عليه السلام ) ، وليس عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) . ومجمع الزوائد : 9 / 46 ، ولم يوثقه ، وفتح القدير : 4 / 490 ، ونحوه مختصراً عن البخاري عن ابن عمرو العاص ، وليس عن علي ( عليه السلام ) .
لكن الرازي اختار رواية الحكيم الترمذي ، لينسب إلى الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن أبا بكر أفضل من مؤمن آل فرعون ، ليكون كعلي الذي فضله رسول الله على مؤمن آل فرعون ! وقد أعرض الرازي عن بقية الحديث مع أنه منقبة لجده أبي بكر لأنها مكذوبة غير قابلة للتصديق ! فلا يعقل أن يكون هجوم قريش على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ناعماً ويكتفوا بالدفع والتلتلة والوجأ ، ثم يكون بنو هاشم ومنهم علي حاضرين ولا يدافعون ، والنبي ( صلى الله عليه وآله ) لا يدافع هو عن نفسه بل يستغيث ، فيأتي أبو بكر ويدافع عنه بالتلتلة فيشدونه بشعره ويقطعون ضفيرته ، وينتهي الأمر !
فالحديث الذي زعمه لا يصح من أصله ، ولا عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .
وقال الرازي ( 29 / 231 ) في تفسير قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
ألف سؤال وإشكال — صفحة 251
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٥١