ولأن صفته الجزائية أكثر وضوحاً .
فكأن السورة تقول : أيها المستهزؤون بالعذاب الذي ينذركم به رسولنا . . إن كل ما أنذركم به من عذاب دنيوي أو أخروي سوف يقع ، ولا دافع له عن الكفار . . فآمنوا بالله ليدفعه عنكم ، بحسب قوانينه تعالى في دفع عذابه عن المؤمنين .
فقوله تعالى ( للكافرين ليس له دافع ) ينفي إمكان دفعه عن الكافرين ، فهو ثابت لمن يستحقه منهم ، وهو أيضاً ثابتٌ لمن يستحقه من الذين قالوا آمنا ، لكن دافعٌ هو التوبة والاستغفار مثلاً .
كما أن ( الكافرين ) في الآية لا يبعد أن تكون بالمعنى اللغوي ، فتشمل الكافرين ببعض آيات الله تعالى ، أو بنعمه ، ولو كانوا مسلمين .
وعندما نشك في أن كلمة استعملت بمعناها اللغوي أو الاصطلاحي ، فلا بد أن نرجح المعنى اللغوي ، لأنه الأصل ، والإصطلاحي يحتاج إلى قرينة .
وقد وقع المفسرون السنيون في تهافتٍ في تفسير السورة ، لأنهم جعلوا ( العذاب الواقع ) عذاباً أخروياً أو لغير المسلمين ، وفي نفس الوقت فسروه بعذاب النضر بن الحارث العبدري بقتله يوم بدر ، فصار بذلك شاملاً للعذاب الدنيوي !
ويلاحظ الباحث في التفاسير السنية أنه يوجد منهجٌ فيها ، يحاول أصحابه دائماً أن يفسروا آيات العذاب الواردة في القرآن الكريم - خاصة التي نزلت في قريش - بالعذاب الأخروي ، أو يرموها على أهل الكتاب ، ويبعدوها عن المسلمين ، حتى المنافقين منهم ! وقد أوجب عليهم هذا المنهج في تبرئة قريش ، أن يتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه دعا ربه بالعذاب على قومه ، فلم يستجب له ! بل وبخه الله تعالى بقوله : ليس لك من الأمر شيء . . الخ . .
وهكذا ركزت الدولة القرشية مقولة اختيار الله لقريش ، وعدم سماحه بعذابها ، وجعلتها أحاديث نبوية ، ولو كان فيها تحطئةٌ وإهانةٌ للنبي صلى الله عليه وآله ، وأدخلتها في مصادر التفسير والحديث .
آيات الغدير ( ط 1 - 1419 ه — صفحة 302
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٣٠٢