والملاحظة الأخيرة التي نودّ أن ندوّنها هنا حول فلسفة ابن سينا هي إمكان تأثّرها بالمفاهيم القرآنيّة ؛ حيث نراه يستشهد بها في بعض المواضع . وهذا يشير بالطبع إلى أنّه بعد اطّلاعه على معاني الآيات القرآنيّة المتعلّقة بالمفاهيم الحكمية ، حاول من خلال التعمّق والتدبّر فيها أن يطرحها بشكل مطالب فلسفية مبرهنة بأسلوب فلسفي ، ويجعلها في نظام تفكيره الفلسفي . ويؤكّد ذلك عندما نلاحظ أنّ لابن سينا تفسيرا لبعض السور والآيات القرآنية « 1 » .
3 - كتاب الإشارات والتنبيهات
وهو من أهمّ كتب ابن سينا ، إذا لم نقل أهمّها . ومنهجه فيه - كما تقدّم - يبتني على الاستدلال العقلي والحدس ، وقد ذكر فيه ابن سينا مصطلح « الحكمة المتعالية » لأوّل مرّة « 2 » .
أمّا من حيث الآراء المطروحة فيه ، فإنّنا نرى أنّ للمؤلّف آراء خاصّة خلاف آراء المشّائين .
ويقع هذا الكتاب في قسمين رئيسيّين :
القسم الأوّل يتعلّق بعلم المنطق ، ويتضمّن عشرة أبواب ، سمّي كلّ منها ب « النهج » ، الذي يشتمل بدوره على عدّة فصول .
القسم الثاني يتضمّن ثلاثة علوم ، وهي - على التوالي - الطبيعيّات ، ما بعد الطبيعة والعرفان .
وهو يتكوّن من عشرة أبواب ، سمّي كلّ منها ب « النمط » ، وكلّ نمط يتضمّن فصولا متعدّدة .
يبتدئ كلّ فصل من فصول الكتاب بعنوان معيّن ، مثل « إشارة » ، « تنبيه » ، « وهم وتنبيه » ؛ فإن كان محتوى الفصل يتّضح بأقلّ تأمّل ، وضع له عنوان « تنبيه » ، وإن كان يحتاج إلى استدلال وبرهان ابتدئ بعنوان « إشارة » . أمّا إذا كان ابتداؤه عرض إشكال ملحق بالإجابة عليه ، كان عنوانه « وهم وتنبيه » .
وحيث إنّ هذا الكتاب القيّم هو آخر ما ألّفه الشيخ « 3 » - أو على الأقلّ أحد المؤلّفين
هامش
( 1 ) أعيان الشيعة : 6 / 71 .
( 2 ) الفصل التاسع من النمط العاشر .
( 3 ) انظر : عيون الأنباء : 3 / 26 .