عمر يناهز الثامنة والخمسين أو الثالثة والخمسين . « 1 »
2 - فلسفته
ابن سينا الذي لقّب بين فلاسفة المسلمين بالشيخ ، عرف بأنّه أحد أعاظم « فلسفة المشّاء » في العالم ، ويعزّى هذا الرأي لأنّ بعض مؤلّفاته توحي إلى اتّخاذه هذا المنهج ، مثل : كتاب « الشفاء » و « النجاة » و « المبدأ والمعاد » .
والحقيقة أنّ الأمر ليس كذلك ، فبالإضافة إلى أنّ لابن سينا آراء تختلف عن آراء الفلاسفة المشّائين ، فإنّ منهجه أيضا فيه اختلاف عن منهجهم . فهو لم يكتف بالرأي الشائع لديهم والذي يؤكّد على الاستدلال العقلي الصرف . والدليل على ذلك أمران :
الأوّل : أنّه في مقدّمة كتاب « منطق المشرقيّين » - بعد أن ذكر مؤاخذات كثيرة على المشّائين - صرّح بأنّه لا يتّفق معهم في كثير من آرائهم ، وقال بالاستدلال المبتني على الحدس « 2 » .
والثاني : أنّ بعض آثاره التي كتبها في أواخر حياته تؤكّد ذلك ، إذ أنّه أشار في بعض مكاتباته إلى أنّه ألّف « المسائل المشرقيّة » التي أثبت فيها مطالب من « الحكمة العرشيّة » .
وكذلك أشار إلى كتاب « الإنصاف » وهو كتاب مفصّل ، ضاع فيما بعد « 3 » ؛ وقد ذكر أنّه كان كتابا شاملا لجميع كتب أرسطو ، وقد قارن فيه - بإنصاف ومن مستوى أعلى - بين المشرقيّين والمغربيّين « 4 » ، وهذا يدلّ على أنّه كان على علم بأنّ هنالك منهجان في الحكمة :
منهج المشرقيّين ، ومنهج المغربيّين . هذا ، وكان ابن سينا أوّل من استعمل مصطلح « الحكمة المتعالية » « 5 » . وكلّ ذلك يدلّ على أنّه لم يكن فيلسوفا مشّائيا بالمصطلح المشهور .
ويمكن القول : إنّ فلسفته متأثّرة بمرحلة التكامل من المشرب العرفاني ، ومن آثاره
هامش
( 1 ) انظر : تاريخ الحكماء : 413 - 426 ، عيون الأنباء : 3 / 5 - 27 ، وفيات الأعيان : 2 / 157 - 161 .
( 2 ) منطق المشرقيّين : 3 و 4 .
( 3 ) أرسطو عند العرب : 245 .
( 4 ) عيون الأنباء : 3 / 26 .
( 5 ) الإشارات : الفصل التاسع من النمط العاشر .