فلم لا يجوز أن يقتضي جسم ميلا مستقيما عند إحدى حالتيه ، وميلا مستديرا عند الحالة الأخرى ؟ وذلك لأنّ الطّبيعة الواحدة إنّما لا تقتضي أمرين بانفرادها ، أمّا بحسب اعتبارين فقد تقتضي .
قلنا : [ إنّ ] اقتضاء الحركة والسّكون بالحقيقة شيء واحد يقتضيه الطّبيعة الواحدة ، وذلك الشّيء هو استدعاء المكان الطّبيعيّ فقط ، فإن كان غير حاصل ، فذلك الاستدعاء يستلزم حركة تحصله ، وإن كان حاصلا ، فهو بعينه يستلزم سكونا ، ومعناه أنّه لا يستلزم حركة ، فهو إذن ليس بشيء آخر غير ما اقتضته أوّلا ؛ أي عند الحركة .
فإنّ اقتضاء الحركة إنّما كان حينئذ لكونها وسيلة إلى الحصول في المكان الطّبيعي ، وظاهر أنّ استدعاء الوسيلة إنّما هو لأجل ما هو وسيلة إليه ، فهي مطلوبة بالعرض ، فالمطلوب الذّات عند الحركة والسّكون كليهما شيء واحد غير مختلف البتة .
فأمّا اقتضاء الحركة المستديرة ، فهو أمر مغاير لاستدعاء المكان الطّبيعي وليس أحدهما وسيلة إلى الآخر ، إذ ليس في الأمكنة مكان طبيعيّ ، ولا في الأوضاع وضع طبيعيّ يطلبه المتحرّك على الاستدارة ، بل المطلوب بالحركة المستديرة أمر عقليّ خارج عن جنس المطلق بالحركة المستقيمة ، ولذلك أسندت إحدى الحركتين إلى الطّبيعة ، بخلاف الأخرى ، فإذن ليس مبدؤهما شيئا واحدا .
وبالجملة : فالحركة المستقيمة والمستديرة أمران مختلفان بالذّات ،
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 296
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٢٩٦