إعلموا - أيها الإخوان المكرمون - أن من نصب كلامه لتأمل طبقات الناس
- ظنا برفع نفسه عليهم - فقد خاطر ، إذا التواضع به أليق ، والاعتراف منه بالتقصير
أوفق ، والمرء يعرف بكلامه ، ولسانه ترجمان عقله ، وأفضل الناس عندهم من لا يدعي
الكمال لنفسه ، ولا يظن سلامته من خطأه ، لأن الخطأ في الناس أكثر من الصواب ،
والجهل أغلب في الهوى ، والعاقل يرى أن فوق علمه علما فيتواضع لتلك الزيادة ،
والجاهل يرى أن علمه فوق علم غيره فيتكبر فيمقته الله والناس ، وإن أحسن الناس
حالا من عرف قدره ، وإن كان مع ذلك لا يعدم كاشحا يقبح إحسانه ، ورب قول سليم
قد أسقمه متأوله ، وزلل خفي أظهره متأمله .
فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : " الأقاويل محفوظة ، والسرائر مبلوة ، وكل
نفس بما كسبت رهينة والناس منقوصون مدخولون إلا من عصم الله ، قائلهم باغ ،
ومستمعهم عائب ، وسائلهم متعنت ، ومجيبهم متكلف ، يكاد أفضلهم رأيا أن يرده عن
رأيه الرضا والغضب ، ويكاد أصلبهم عودا أن تنكأه اللحظة ، وتستحره الكلمة " ( 1 ) .
فاختر لنفسك في لحظك ولفظك ، وتدبر وانتقد ما تبديه من قولك وفعلك ،
واحذر عثرات قلمك ، كما تحذر عثرات قدمك ، فهي أعظم وصمة من زلات كلمك ،
لأن الخط ينقل ويبقى والكلام يذهب وينسى ، وإن جهل الكتاب أثبت من جهل
اللسان وإن كان أكثر خطا ، لا تثبت به الحجة على صاحبه كما تثبت بخطه ، فاحذره ،
واحذر معه آفة الخلوة وبوائق الوحدة ، فإنهما يورثانك الثقة بنفسك ،
والاسترسال إلى رأيك .
وإذا شككت فاسأل وتبين ، وظن عند كل خاطر أن غيرك أقوم بتفصيله
منك ، ليحثك ذلك على السؤال وأنهم إذا نظروا فيه نظر من لا يبسط عذرك ولا يحب
رشدك فيعيبوه ، وأنت إذا نظرت فيه نظرت بعين وامقة وأذن عاشقة ، فتلقيته بنفس
قابلة وطبيعة جاذبة ، لأنه من لفظك وبكر فطنتك ، ومنك صدر وإليك ينسب ، وهو فرع
أنت أصله ، وحادث أنت أولة ، فشفيعه هواك ، فاحذره فهو موطئ زلق ، والتحفظ منه
شديد ، ومعناه غامض ، وأمره خفي ، فاستعن عليه بالعقل والسؤال ، ليتحقق لك الحق ،
ويظهر لك فيه الصدق ، فإن من أعطي النصفة من نفسه ، والتحفظ من الزلل ، واستعمل
هامش
1 - نهج البلاغة : 535 / 343 ، باختلاف يسير .