الطمع فيما في أيدي الناس ، فينبغي أن لا ينقطع فكر الراغب في هذا الأمر في التفطن
بخفايا هذه الصفات ، واستنباط طريق الخلاص منها ، وهذه صفات الأتقياء
الصالحين .
وأما أمثالنا فينبغي أن يكون فكرنا فيما يقوي إيماننا بيوم الحساب ، إذ لو رآنا
السلف الصالحون لقالوا قطعا : إن هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب ، فما أعمالنا أعمال من
يؤمن بالجنة والنار ، فإن من خاف شيئا هرب منه ، ومن رجا شيئا عمل له ، وقد عملنا
أن الهرب من النار ترك ما يوجبها ، وترك الشهوات من الحرام والمعاصي ، ونحن
منهمكون فيها ، وأن طلب الجنة بفعل الطاعات ، وكثرة طاعة الله بالصلاة والصوم
والقربات ، وملازمة الذكر والفكر في طريق النجاة ونحن مقصرون في القيام بذلك ،
فكيف تحصل الجنة مع ترك العمل لها ؟ والنجاة من النار مع العمل بما يوجبها ؟
فهذه هي الأماني الكاذبة والغرور ، كما قال الله سبحانه : ( ينادونهم ألم نكن
معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله
وغركم بالله الغرور ) ( 1 ) هذا توبيخ وتقريع لغير الكفار ، بدليل قوله تعالى : ( فاليوم لا يؤخذ
منكم فدية ولا من الذين كفروا ) ( 2 ) ( 3 ) .
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربه ورضوانه الحسن بن أبي الحسن الديلمي
- أعانه الله على طاعته وتغمده برأفته ورحمته - : إني لأعجب من قوم سمعوا الله تعالى يقول :
( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون
ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) ( 4 ) وهم يرجون ذلك بغير بذل نفس
ولا مال . فانظروا أيها الإخوان إلى معاني هذه الآية ، وكونه تعالى باع الجنة بالنفس
والمال ، وأكثر الناس لا يسمح بماله ولا بشئ منه ولا بشعرة من نفسه ، ثم مع هذه الحال
يرجو الجنة ، فهذا هو الطمع .
ألا ترون إلى إبراهيم الخليل عليه السلام ، كيف بذل نفسه وولده وماله ؟ أما
هامش
1 - الحديد 57 : 14 .
2 - الحديد 57 : 15 .
3 - الكلام الآنف الذكر المنسوب للمؤلف ورد في تنبيه الخواطر : 144 و 252 - 256 باختلاف في
ألفاظه ، فتأمل .
4 - التوبة 9 : 111 .