يا أبا ذر ، ليعظم جلال الله في صدرك ، فلا تذكره كما يذكره الجاهل ، عند
الكلب : اللهم اخزه ، وعند الخنزير : [ اللهم ] ( 1 ) اخزه .
يا أبا ذر ، إن لله عز وجل ملائكة قياما - في خيفة - ما يرفعون رؤوسهم حتى
ينفخ في الصور النفخة الآخرة ، فيقولون : سبحانك وبحمدك ، ما عبدناك كما ينبغي لك
أن تعبد . فلو كان لرجل عمل سبعين صديقا ، لاستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ ، ولو
أن دلوا صب من غسلين في مطلع الشمس لغلت منه جماجم من في مغربها ، ولو زفرت
زفرة لم يبق ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثيا لركبتيه يقول : رب نفسي نفسي ،
حتى ينسى إبراهيم إسحاق عليهما السلام يقول : يا رب أنا خليلك فلا تنسني .
يا أبا ذر ، لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت من سماء الدنيا في ليلة ظلماء
لأضاءت لها الأرض ، ولو أن ثوبا من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا لصعق من
ينظر إليه وما حملته أبصارهم .
يا أبا ذر ، اخفض صوتك عند الجنائز ، وعند القتال ، وعند القرآن .
يا أبا ذر ، إذا اتبعت جنازة فليكن عملك فيها التفكر والخشوع ، واعلم أنك
لا حق بها .
يا أبا ذر ، اعلم أن فيكم خلقين : الضحك من غير عجب ، والكسل من غير سهر .
يا أبا ذر ، ركعتان مقتصدتان في تفكر ، خير من قيام ليلة والقلب ساه .
يا أبا ذر ، الحق ثقيل مر ، والباطل خفيف حلو ، ورب شهوة ساعة تورث حزنا
طويلا .
يا أبا ذر ، لا يفقه الرجل كل الفقه ، حتى يرى الناس في جنب الله أمثال
الأباعر ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون هو أحقر حاقر لها .
يا أبا ذر ، لا يصيب الرجل حقيقة الإيمان ، حتى يرى الناس كلهم عقلاء في
دنياهم سفهاء في دينهم .
يا أبا ذر ، حاسب نفسك قبل أن تحاسب ، فإنه أهون لحسابك غدا وزن نفسك
قبل أن توزن ، وتجهز للعرض الأكبر ، يوم تعرض لا تخفى على الله منك خافية .
يا أبا ذر ، استحي من الله ، فإني - والذي نفسي بيده - لأظل حين أذهب إلى
هامش
1 - أثبتناه من مكارم الأخلاق .