ببيض كأنّ الملح فوق متونها * ودهم كأن الزّنج تحت جلالها
انظر إلى حسن هذا التصرف وشرف هذا الكلام :
مساميح كلّ الغيث بعض نوالها * وكلّ المعالي خلّة من خلالها
سمت فوق آفاق السماء فأصبحت * ثراها الثريّا والسّهى من نعالها
إليك ابن عباد بن عباس انثنت * أعنّة شكر الدهر بعد انفتالها « 1 »
بك افترّ ثغر الملك واهتزّ عطفه * وجرّت بك الدنيا ذيول اختيالها
تشكّى الثرى إظلامها ومحولها * فأغنيتها عن مزنها وهلالها
وله من قصيدة كأنه جمع محاسنه ولطائفه فيها ، أولها [ من الطويل ] :
سلام على رمل الحمى عدد الرّمل * وقل له التسليم من عاشق مثلي
وقفت وقوف الغيث بين طلوله * بمنسكب سحّ ومنسجم وبل « 2 »
وما رمت حتى خالني الرّيم رمّة * وأذرف آجال الحمى الدمع من أجلي « 3 »
خليليّ قد عذبتماني ملامة * كأن لم يقف في دمنة أحد قبلي « 4 »
وممّا شجاني والعواذل وقّف * ولي أذن صمّت هناك عن العذل
ظباء سرت بالأبطحين عواطلا * وكنت أراها في الرعاث وفي الحجل « 5 »
تبدّلن أسماء سوى ما عرفتها * لهنّ ، فلا تدعي بسعدي ولا جمل
تشابهن أحداقا وطول سوالف * وخصّ الغواني بالملاحة والدلّ
ومكحولة الأجفان مخضوبة الشّوى * ولم تدر ما لون الخضاب من الكحل
ذكرت بها من لست أنسى ذنوبها * وإن بعدت والشّيء يذكر بالمثل
هامش
( 1 ) انفتالها : اجتماعها ، والأعنّة : الأزمّة .
( 2 ) الوبل : المطر الشديد ، والسحّ : الصبّ السائل ، والمنسجم : القطر المتوالي .
( 3 ) رمت : انصرفت ، والرّمة : البالي من العظم وغيره ، والآجال : قطعان النعام والإبل .
( 4 ) الدمنة : الموضع القريب من الدار .
( 5 ) الرعاث : جمع رعثة بضمّ الراء ، القرط .