فصل من كتاب له إلى أبي علي وأبي القاسم العلويين في التعزية عن أبيهما أبي الحسين بن أبي محمد رضي اللّه تعالى عنهم !
كتابي - أطال اللّه بقاء الشريفين - والدهر ينعي مهجته ، والمجد يندب بهجته ، والشرف محصور في قبضة حينه ، والفضل مفجوع بناظر عينه ، والذكر الجميل مجدّل لمصرعه ، والخلق الوسيع موسّد في مضجعه ، ورسم المحاسن داثر عاف ، وشخص المكارم حاسر حاف . ومهابط الوحي والرسالة تحني ظهرها أسفا ، ومعادن الوصية والإمامة تذري دمعها لهفا . وبقاع الحرمين متسلية على نجمها الآفل ، ولابسة ثوب الحداد لركنها المائل ، ويد المواساة مقبوضة عن معونة العاني الذليل « 1 » ، ولسان الجود معتذر إلى ابن السبيل ، وطوائف العفاة تبكي العيش الرطيب والربع الرحيب . والمشارع المعصومة من درن الضنّ ، والموارد المحروسة من كدر المنّ ، وذو والحاجات في حسرات مجددة ، وزفرات مرددة ، قد أقامت منهم حانية الضلوع ، وأطارت عنهم قلوبا دامية الصدوع . وبنو الآمال عابسة وجوههم ، منكسة رؤوسهم « يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم » ذلك لأن حادث قضاء اللّه - جل وجهه - استأثر بفرع النبوة ، وعنصر الدين والمروة ، وعصرة العدد الجم « 2 » ، ونجدة أهل العلم والفهم ، فالدموع واكفة « 3 » ، والصدور راجفة ، والهم وارد ، والأنس شارد ، والناس مأتمهم عليه واحد ، ومعاقد الصبر الجميل بعده منقوضة ، وقواعد البر والخير مخفوضة . فلولا أن الدهر مشحون بطوارق الغير ، مشوب صفو أيامه بالكدر ، ممزوج صابها بالعسل « 4 » ، موصول
هامش
( 1 ) العاني : المحتاج والمعدم .
( 2 ) وعصرة العدد الجمّ : أي الزّبد المستخرج من الكثير بعد مخاض واعتمال كناية عن الشرف وعدم المماثلة والشبه .
( 3 ) واكفة : هاطلة .
( 4 ) الصاب : المرّ .