قد كنت أهوى أن أشاطرك الردى * لكن أراد اللّه غير مرادي
ولقد كبا طرف الرقاد بناظري * منذ افتقدت فلالعا لرقادي « 1 »
ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيا * أنّي ومثلك معوز الميلاد
من للبلاغة والفصاحة إن همى * ذاك الغمام وعبّ ذاك الوادي « 2 »
من للملوك يحزّ في أعناقها * بظبا من القول البليغ حداد
من للممالك لا تزال تلمّها * سدّاد ثغر ضائع وسداد
من للمحافل يستزلّ رماحها * ويردّ رعلتها بغير جلاد « 3 »
من للممارق تسترقّ قلوبها * بزلازل الإبراق والإرعاد « 4 »
وصحائف فيها الأراقم كمّن * مرهوبة الإصدار والإيراد
تدمي طوابعها إذا استعرضتها * من شدّة التحذير والإيعاد
حمر على نظر العدو كأنها * بدم تخطّ بهنّ لا بمداد
يقدمن إقدام الجيوش . وباطل * أن يهزمنّ هزائم الأجناد
فقر بها تمسي الملوك فقيرة * أبدا إلى مبدأ لها ومعاد
وتكون سوطا للحرون إذا ونى * وعناق عنق الجامح المتمادي « 5 »
نزقي وتلدغ في القلوب ، وإن تشا * حط النجوم بها من الإبعاد
أمّا الدموع عليك غير بخيلة * والقلب بالسلوان غير جواد
سوّدت ما بين الفضاء وناظري * وغسلت من عينيّ كلّ سواد
ريّ الخدود من المدامع شاهد * أن القلوب من الغليل صوادي
ما كنت أخشى أن تضنّ بلفظة * لتقوم بعدك لي مقام الزاد
هامش
( 1 ) كبا : سقط . فلالعا : دعاء على العاثر يعني « لا أنعشه اللّه » .
( 2 ) العبّ : ارتفاع الماء ، وهمى الغمام : أمطر .
( 3 ) الرعلة : الجماعة التي تتقدم غيرها .
( 4 ) الممارق : المخارج والكوى التي تنفذ منها الرّيح .
( 5 ) الحرون : المعاند .