فلو أدرك ابن الرومي زمانه لما احتاج إلى أن يقول [ من الكامل ] :
ذهب الذين تهزّهم مدّاحهم * هزّ الكماة عوالي المرّان « 1 »
كانوا إذا امتدحوا رأوا ما فيهم * ملأ ريحيّة منهم بمكان « 2 »
وكان كل من أبي محمد عبد اللّه بن محمد الفياض الكاتب ، وأبي الحسن علي بن محمد الشمشاطي ، قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت ، كقول أبي الطيب المتنبي [ من الطويل ] :
خليليّ إني لا أرى غير شاعر * فلم منهم الدعوى ومنّي القصائد « 3 »
فلا تعجبا إنّ السيوف كثيرة * ولكنّ سيف الدولة اليوم واحد
له من كريم الطبع في الحرب منتض * ومن عادة الإحسان والصفح عامد « 4 »
ولما رأيت الناس دون محلّه * تيقّنت أنّ الدهر للناس ناقد « 5 »
ومن القصيدة المرقومة :
فلم يبق إلّا من حماها من الظّبا * لمى شفتيها والثديّ النواهد « 6 »
تبكي عليهنّ الباطريق في الدّجى * وهنّ لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها * مصائب قوم عند قوم فوائد
هامش
( 1 ) العوالي : جمع عالية ، وهي أعلى القناة أو رأسها الذي يلي السنان ، والمران : بضمّ الميم وتشديد الراء ، شجر باسق أوراقه كأوراق التوت ومنه تتخذ الرماح .
( 2 ) ملأ ريحيّة : أراد من الأريحيّة ، والعرب تحذف نون من الجارة إذا اضطرت إلى ذلك في الشعر وقد ورد ذلك في أبيات كثيرة منها :نحن قوم ملجنّ في زيّ ناس * فوق طير لها شخوص الجبال( 3 ) هذه الأبيات والتي بعدها في الديوان ( 1 / 271 / 275 ) .
( 4 ) منتض : انتضى السيف ، شهره واستلّه من الغمد ، وغمد السيف : حيث يوضع ، قرابه ، وجفنه .
( 5 ) ناقد : خبير ، يعرف من يختار للسّيادة وكبار المهام .
( 6 ) اللّمى : سمرة محبوبة في الشفة .