وقول الآخر [ من الوافر ] :
إذا دنت المنازل زاد شوقي * ولا سيما إذا بدت الخيام « 1 »
فلمح العين دون الحيّ شهر * ورجع الطرف دون السير عام
وقول الآخر [ من الخفيف ] :
فسقى اللّه بلدة أنت فيها * كدموعي عند اعتراض الفراق
وأرانيك فالصّبا قد ترقّت * يا بروحي إلى أعالي التّراقي « 2 »
وقول الآخر [ من الطويل ] :
وو اللّه لا فارقت عقدة ودّه * ولا حلت ما عمّرت عن حفظ عهده « 3 »
ولا بدّ أنّ الدّهر كاشف أهله * ويظهر للمولى موالاة عبده
وكان أبو بكر الخوارزمي في ريعان عمره ، وعنفوان أمره ، قد دوخ بلاد الشام ، وحصل من حضرة سيف الدولة بحلب في مجمع الرواة والشعراء ، ومطرح الغرباء الفضلاء ، فأقام ما أقام بها مع أبي عبد اللّه بن خالويه ، وأبي الحسن الشمشاطي ، وغيرهما من أئمة الأدباء ، وأبي الطيب المتنبي ، وأبي العباس النامي ، وغيرهما من فحول الشعراء « 4 » ، بين علم يدرسه ، وأدب يقتبسه ، ومحاسن ألفاظ يستفيدها ، وشوارد أشعار يصيدها ، وانقلب عنها وهو أحد أفراد الدهر ، وأمراء النظم والنثر ، وكان يقول : ما فتق قلبي ، وشحذ فهمي ، وصقل ذهني ، وأرهف حد لساني ، وبلغ هذا المبلغ بي ، إلا تلك الطوائف
هامش
( 1 ) لا سيما : هي هنا بتخفيف الياء مفتوحة مثلها في قول الشاعر وهو من شواهد النحاةفه بالعقود والإيمان لا سيما * عقد وفاء به من أعظم القرب( 2 ) التراقي : جمع ترقوة وهي العظمة التي بين ثغرة النحر والعاتق في أعلى الصدر .
( 3 ) لا حلت : لا تغيّرت وتراجعت .
( 4 ) لفحول : جمع فحل ، وأصله الذكر من كلّ حيوان ويطلق على الراوي وعلى الشاعر الذي يغلب على كلّ شاعر يعارضه أو يفضل عليه .