من الفساد العارض لألسنة أهل العراق لمجاورة الفرس والنبط ، ومداخلتهم إياهم ، ولما جمع شعراء العصر من أهل الشام بين فصاحة البداوة وحلاوة الحضارة ، ورزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدان وبني ورقاء هم بقية العرب ، والمشغوفون بالأدب ، والمشهورون بالمجد والكرم ، والجمع بين أدوات السيف والقلم ، وما منهم إلا أديب جواد ، يحب الشعر وينتقده ، ويثيب على الجيد منه فيجزل ويفضل - انبعثت « 1 » قرائحهم في الإجادة ، فقادوا محاسن الكلام بألين زمام ، وأحسنوا وأبدعوا ما شاءوا .
وأخبرني جماعة من أصحاب الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد أنه كان يعجب بطريقتهم المثلى ، التي هي طريقة البحتري في الجزالة والعذوبة .
والفصاحة والسلاسة ، ويحرص على تحصيل الجديد من أشعارهم ، ويستملي الطارئين عليه من تلك البلاد ما يحفظونه من تلك البدائع واللطائف ، حتى كسر دفترا ضخم الحجم عليها « 2 » ، وكان لا يفارق مجلسه ، ولا يملأ أحد منه عينه غيره ، وصار ما جمعه فيه على طرف لسانه ، وفي سن قلمه ، فطورا يحاضر به في مخاطباته ومحاوراته ، وتارة يحله أو يورده كما هو في رسائله ، فمن ذلك قول القائل [ من الطويل ] :
سلام على تلك المعاهد إنّها * شريعة وردي أو مهبّ شمالي « 3 »
ليالي لم نحذر حزون قطيعة * ولم نمش إلا في سهول وصال « 4 »
فقد صرت أرضى من سواكن أرضها * بخلّب برق أو بطيف خيال « 5 »
هامش
( 1 ) « انبعثت » هذا جواب لما في قوله « ولما جمع شعراء أهل الشام الخ » .
( 2 ) تقول : كسرت الكتاب على عدّة أبواب بتشديد السين - إذا كنت قد جعلته عدّة أبواب .
( 3 ) شريعة وردي : أي مكان ورودي الماء لنهله ، ومهبّ شمالي : أي الريح الشمالية الباردة
( 4 ) الحزون : الأرض الصعبة المسالك .
( 5 ) خلّب برق : أي البرق اللامع الغير مصحوب بالمطر .