ذكر ابتداء أمره
ذكرت الرواة أنه ولد بالكوفة في كندة سنة ثلاث وثلاثمائة ، وأن أباه سافر إلى بلاد الشام ، فلم يزل ينقله من باديتها إلى حضرها ، ومن مدرها إلى وبرها ، ويسلمه في المكاتب ، ويردده في القبائل ، ومخايله نواطق الحسنى عنه .
وضوامن النجح فيه ، حتى توفي أبوه وقد ترعرع أبو الطيب وشعر وبرع ، وبلغ من كبر نفسه وبعد همته أن دعا إلى بيعته قوما من رائشي نبله « 1 » ، على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده . وحين كاد يتم له أمر دعوته تأدى خبره إلى والي البلدة ، ورفع إليه ما هم به من الخروج ، فأمر بحبسه وتقييده ، وهو القائل في الحبس قصيدته التي أولها [ من المتقارب ] :
أيا خدّد اللّه ورد الخدود * وقدّ قدود الحسان القدود
ومنها استعطافه ذلك الأمير والتنصل مما قذف به :
أمالك رقيّ ، ومن شأنه * هبات اللجين وعتق العبيد
دعوتك عند انقطاع الرجا * ء والموت منّي كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلى * وأوهن رجلي ثقل الحديد
ومنها :
وقد كان مشيهما في النعال * فقد صار مشيهما في القيود « 2 »
وكنت من الناس في محفل * فها أنا في محفل من قرود
تعجّل فيّ وجوب الحدود * وحدّي قبل وجوب السجود ! « 3 »
هامش
( 1 ) رائشي نبله : كناية عمّن يقوى بهم ساعده تقول راش النبل يريشه : إذا لزق فيه الريش ليقوى .
( 2 ) المشيهم : من الشيهم ، وهو ما عظم شوكه من ذكور القنافذ .
( 3 ) الحدود : تنفيذ أوامر الشريعة في المخالفين لها .