وهذا من أغرب ما شاهدته ؛ ولنرجع إلى غرضنا ومهمّنا من حلّ الشعر بغير لفظه ؛ فمن ذلك ما ذكرته في وصف الكرم « 1 » ، وهو : قطعت مواهبه إلىّ مدى البلاد ولم أقطع إليها مدى ، ومدّت يدها نحوى ولم أمدد نحوها يدا . فهي المسافرة إلى كلّ مقيم ، وطاردة الإعدام عن كلّ عديم ، والكريمة « 2 » إذا غدا صوب الغمام ، وهو لئيم . « فشكرى لها شكران : شكر على العطاء » « 3 » ، وشكر على التبرّع « 4 » . ومن أحسن أوصافها أنّها تأتى للصّنيع « 5 » ؛ لا للتصنّع .
وهذا مأخوذ من قول أبى الطيّب المتنبّى :
وأنفسهم مبذولة لوفودهم * وأموالهم في دار من لم يفد وفد « 6 »
إلّا أنّى غيّرت هذه الألفاظ ، ونقلتها إلى صورة أخرى مع ما أضفته إلى المعنى من الزيادات . وهذا ضرب من الكيمياء الذي تقدّم ذكره .
ومما ينتظم بهذا المعنى « 7 » قولي أيضا ، وهو : من يسأله غير درجات المعالي ؛ فقد قدح في مواهبه « 8 » ، وحطّ من مراتبه ، لكنّ الهبة على قدر الموهوب ، ومطلب الناس هو هذا [ العرض ] « 9 » الأدنى من المطلوب ، فمن كان ذا فخر ببذل ماله الذي هو عرض يذهب ، وعارض ينضب - وقد جعل حادث
هامش
( 1 ) في ن : « الكريم » .
( 2 ) في ع : « والكريم » .
( 3 ) ما بين علامتي التنصيص سقط من ط .
( 4 ) في ن : « التسرع » .
( 5 ) في ت ، وط ، ون ، وع : « للصنع » .
( 6 ) البيت من الطويل في ديوان المتنبي / 193 .
( 7 ) في ن : « في المعنى » .
( 8 ) في ط : « مواهنه » تحريفا .
( 9 ) الزيادة من ط .