للبشر ولكنها في العصور التي يتحدث عنها المؤلف والفترة التي يهتم بها أكثر من غيرها ، تتخذ منحى خاصا جديرا بالاهتمام والدرس لان كتب التاريخ العربي في أكثرها قد أهملت كثيرا من نواحي حياة الكتاب والوزراء وهم كما سلف القول أكثر التصاقا بمشاكل المجتمع الذي يحكمون ، وتصرفاتهم تظهر الانعكاس الأشد وضوحا لطموحات هذا المجتمع وأحداثه في خيرها وشرها وحركتها وجمودها ، فهم المرآة القريبة من الشعب والوجه المتحرك والمتفاعل لرؤية الحكم واتجاهاته وآثار نظمه .
عبر تصرفات الكتاب وردات فعلهم تستطيع أن تجد تفسيرا لحركات الفكر والاقتصاد في مدها وجزرها ، وفي تطورها وركودها ، دون أن تستطيع تقدير ذلك عبر تصرفات الخلفاء الا بصعوبة أشد نظرا لبعدهم عن بساطة الحياة الاجتماعية للرعية وتسترهم وراء الحاجز الذي يمكن أن نسميه « الوزراء والكتاب » ، وعلى سبيل المثال نحيل القارئ على هذه الأبيات لشاعر نصراني كان منقطعا إلى البرامكة ، للاطلاع على ناحية من نواحي الحياة الاجتماعية لدى أهل الكتاب ، حيث نلمس من خلال الوصف الذي يقدمه لنا الشاعر أن التباهي باللباس الفاخر في كنائسهم وما يستتبع ذلك من مستوى اقتصادي مرتفع يمكنهم من الحصول على أفخر الملابس التي لا يضاهيها ما في قصور آل برمك وزراء العباسيين الذين أنعموا على الشاعر بمطرف خز لم يكن كافيا لمنافسة سائر أتباع دينه داخل الكنيسة . وفي هذا المطرف الذي أهداه له جعفر بن يحيى يقول الشاعر أبو قابوس النصراني الحيري :
أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا * رأيت مباهاة لنا في الكنائس
فلو كان هذا المطرف الخزجبة * لباهيت أصحابي به في المجالس
فلا بد لي من جبة من جبابكم * ومن طيلسان من جياد الطيالس
ومن ثوب قوهي وثوب غلالة * ولا بأس لو أتبعت ذاك بخامس
ويقول الكتاب أن الوزير وجه إلى أبي قابوس من كل صنف ذكره عشر قطع .