تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نوادر المخطوطات — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
وأما الطّبّ فجمعته العرب في كلمتين معلومتين ، ولفظتين محفوظتين ، على رأيها في الاقتصار ، ومذهبها في الاختصار ، فقالت : « المعدة بيت الداء ، والحمية رأس الدواء » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أصل كلّ داء البردة « 1 » » ، وقالوا : « كل وأنت تشتهى ، ودع وأنت تشتهى » ، فجمعوا الطبّ بأظافيره ، والصلاح بحذافيره ، وإذا فتشت أصول سقراط ، وتبيّنت فصول بقراط ، لم تجد مستزادا مستجادا ، ولا مسترادا مستفادا ، وليست هذه الأمور مما ينفرد بها أفرادهم ، ولا يخصّ بها آحادهم ، بل ينطق بها صغارهم وكبارهم ، ويعرفه نساؤهم ، ويهتف به إماؤهم ، وأشعارهم بذلك ناطقة ، وأخبارهم عنه صادقة ، ما تلوا فيه متلوّا ، ولا قروا به مقروّا « 2 » ، لكنّها الطّباع الصافية ، والقرائح الكافية ، والغرائز السليمة ، والنّحائز الكريمة ، تلتقط الحكم من مخاطباتهم ، وتسير الأمثال من مجاوباتهم ، على منهاج واحد من الفصاحة في المحاورة ، والمشاورة ، وعلى طريقة واحدة من البلاغة في المسالمة ، والمراغمة ، والمواجزة ، مع المناجزة ، ولا يتعلّمون ولا يتأمّلون ، بل يرسلون الحكم إرسالا ، ويبعثون الفطن أرسالا . والموسيقى علم اللّحون [ فما « 3 » ] بالعجم إليه حاجة مجحفة ، وضرورة معجّفة ، لعجز « 4 » طباعهم عن الأوزان ، وقلّة اتّساعهم في الميدان « 5 » ، لأنّ لغاتهم قليلة ، وقواهم كليلة ، لا تستجيب إلّا بوسائط ، ولا تستقلّ إلا ببسائط ، ليس عندهم شعر موزون ، ولا كلام مرصون ، ولغة العرب واسعة العبارات ، ناصعة الإشارات ، لها الشّعر الموزون ، والنّظم المكنون ، والكلام المنثور ،
هامش
( 1 ) البردة ، بالتحريك : التخمة ، لأنها تبرد المعدة فلا تنضج الطعام . ( 2 ) الذخيرة : « ولا قرءوا فيه مقروا » . ( 3 ) التكملة من الذخيرة . ( 4 ) الذخيرة : « لنبو » . ( 5 ) هذا ما في الذخيرة . وفي الأصل : « الميزان » .