للتصنيف والبحث والتأليف ، فأبدعوا وأكثروا من إنتاجهم العلمي والأدبي ، وقد اشتهر عن خلفاء العصر العباسي الأول ، حبهم للعلم وتعظيمهم وإجلالهم للأدباء والعلماء ، فسهلوا نزوحهم إليهم ، وأجروا لهم الأرزاق ، وبالغوا في إكرامهم وقربوهم وجالسوهم وآكلوهم وحادثوهم ، وعولوا على آرائهم ، فلم يبق عالم أو أديب إلا ويمم دار السلام ونال جائزة أو هدية أو راتبا « 1 » .
وكتب التراث مليئة بصور هذا التكريم والإجلال الذي أحاط به حكام ذلك العصر أهل العلم - وسبق أن تعرضنا لذكرها « 2 » .
وكان بلاط الخلفاء والولاة والحكام أيضا مركز مناظرات ومحاورات علمية فقد جرت في مجالس الرشيد والمأمون حلقات واسعة للجدال والمناظرة والندوات العلمية ، وقد كفلت الحرية العقلية إلى أبعد غاية ممكنة حيث كان كل رأي يعرض للمناقشة حتى آراء الزنادقة ، مما يدل على رقي الحياة العقلية في ذلك العصر .
ومما ساعد على نشاط حركة التصنيف والتأليف - التي امتاز بها ذلك العصر - استخدام الورق الذي أدخل صناعته الفضل بن يحيى البرمكي إلى بغداد في عهد الرشيد - فقد كان سابقا يكتب على الجلود والقراطيس « 3 » - مما سهل نشر الكتب ونسخها ، واتخذ العلماء لأنفسهم الوراقين وأصبح للوراقة سوق خاصة بها .
وانتشرت المكتبات التي تؤمن الكتاب لطالبيه مثل ( مكتبة دار الحكمة ) التي عنيت بالكتب المترجمة وغيرها منذ عهد الرشيد ، وذكر أنه كان ليحيى بن خالد البرمكي مكتبة عامرة لا يوجد بها كتاب إلا وله ثلاث نسخ « 4 » ومكتبة الواقدي المتوفي 207 ه قيل إنها كانت تضم 600 صندوق مملوءة بالكتب « 5 » .
وكان من أهم أسباب ازدهار الحركة العلمية والأدبية أيضا الاتصال الخصب بين الثقافة العربية وثقافات الأمم الأخرى ، وكان هذا الاتصال عن طريقين : طريق المشافهة مع المستعربين وطريق النقل والترجمة الذي بلغ أقصى مداه أيام العباسيين بفعل تشجيع
هامش
( 1 ) تاريخ آداب اللغة العربية جرجي زيدان 1 / 326 .
( 2 ) انظر الصفحة 96 من هذا الكتاب في مجال الحديث عن حركة التدوين في العصر العباسي .
( 3 ) التاريخ العربي والمؤرخون . شاكر مصطفى 1 / 70 - 71 .
( 4 ) الحيوان ، الجاحظ 1 / 60 .
( 5 ) الفهرست النديم ص 144 .