وما أحسن قول عبد القدوس :
وليس رزق الفتى من حسن حيلته * لكن حظوظ بارزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد * يرمي فيرزقه من ليس بالرامي
فلما أسفر صبح ثاني وعشرين من ذي الحجة الحرام عام الف ومائة واحدى وثلاثين من هجرة خير الأنام ، رحلنا من الأبطح بعون المعين في الشدة والضيق ، وسرنا إلى وادي المضيق ، فانخنا به العيس ، في ساعة التعريس :
سقاك اللّه يا وادي المضيق * حياء في المساء وفي الشروق
فإنك جالب الأفراح حقا * ومؤنس كل ذي كرب وضيق
زهورك قد سكرنا من شذاها * فوا شوقى لوردك والشقيق
وادحفت به الأشجار ، بأنواع الثمار ، وألوان الأزهار ، وغنت عليها صنوف الأطيار ، ما بين شحرور ، وقمري وبلبل وهزار ، وأشرقت فيه شموس الضحى وطلعت به الأقمار ، كأنه جنة عدن تجري من تحتها الأنهار ، فأقمنا به يوما وليلة ، ونحن في انس وسرور ، وغبطة وحبور ، سالمين من طوارق الدهر ، لم ندر فيه عن زيد ولا عمرو :
لا تفوت لذة قد أمكنت * انما الدهر سريع النقم
فلما أسفر وجه الصباح ، ونودي بحي على الفلاح ، عزمنا على الرحيل ، وسرنا خلف الدليل ، فمشينا إلى الزوال ، وإذا بعرب عتيبة ترصدنا على رؤس الجبال ، وقد قصدوا معنا الحرب ، وعزموا على الطعن والضرب ، وكان أمير الحاج يومئذ الشجاع المقدام الهزبر الضرغام ، السيف الصمصام ، البحر القمقام حاكم مدينة الحلة يوسف باشا ، بلغه اللّه من الدنيا والآخرة ماشا ، فحين شاهد الاعراب قد رمتنا بالرصاص حتى خلنا ان ليس لنا من أيديهم خلاص ، امر الحجاج إذ ذاك بالوقوف ، وجيش الجيوش وصف الصفوف ، وما الطف قول الوزير ابن زيدون :
إذا جيش الأحباب جيشا من الجفا * بنينا من الصر الجميل حصونا