فلم نزل نقطع البر الاقفر والمهمة الأغبر ، إلى أن اتينا بعد تسعة أيام سد عنتر وهو جبل ما اضيقه واوعره واطوله ، بينه وبين المدينة المنورة مرحلة ، وفي أسفله غار في نهاية السعة والكبر ، يزعم عرب تلك الجهات انه اصطبل عنتر ، وحوله غدير ماء كبير يصدر منه الجمع الكثير ، فأقمنا به يوما وليلة ، ثم سرنا قاصدين زيارة الرسول ، ومفتاح أبواب المطالب والسؤل :
من زار قبر نبيه * وجبت له منه الشفاعة
هي طاعة واخالها * في الفضل تعدل الف طاعه
صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وشرف قدره وكرم :
يا عين هذا السيد الأكبر * وهذه الروضة والمنبر
فشاهدي في حرم المصطفى * من نوره الساطع ما يبهر
فانخنا الركاب في الحرة ، وطاب وقتنا بالفرح والمسرة ، ثم دخلنا المدينة ، البرة الأمينة ، الطيبة الحصينة ، مأوى صاحب الوقار والسكينة ، ومسكن الأخيار الأبرار الكرام جيران الحبيب عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام :
قسما بالبيت والركن الذي * طاب تقبيلا ومسحا واستلاما
ان في طيبة قوما جارهم * في محل النجم يعلوا ان يضاما
روضة الجنة في أوطانهم * وثرى آثارهم يبري الجذاما
كل من لم ير فضلا حبهم * فهو في النار وان صلى وصاما
صفوة الصفوة ، وخلاصة الخلاصة ، يؤثرون الغريب على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، ويحبون من هاجر إليهم ، اسبل اللّه ستره عليهم :
يا ساكني طيبة لا زلتم * طول المدى في عيشة راضيه
لا تخشوا الضيم ولا تحزنوا * فأنتم في جنة عاليه
وفي جوار الطهر خير الورى * رب العلا والرتبة السامية