وكنت في مدة هذه الاسفار أسطر كل ما شاهدته من العجائب في تلك البلدان والأقطار وأثبت اسم كل من اجتمعت به من العلماء الأحبار ، والصلحاء الأبرار والرؤساء ذوي الافتخار والامراء والوزراء والأدباء والشعراء ، وأدون كل ما سمعته منهم ، من شعر لطيف ، وخبر ظريف ، ومسائل علمية ، ونكت أدبية فلما رأيت قد اجتمع عندي من ذلك شيئا كثيرا استخرت اللّه سبحانه واهتديت به في كل الأمور ، وكفى بربك هاديا ونصيرا ، وجعلت هذه الرحلة موافقة لحالي لائقة لمثلي وامثالي ، وسهرت على تأليفها الليالي ، وان كان جرابى من زاد الآداب خالي ، وأثبت فيها هذا الذي نقلته ، وجمعته وحررته ، رجاء أن تكون تذكرة من بعدي للأصحاب ، ذوي البلاغة والآداب ، وتبصرة لمن تهزه نفسه لركوب غارب بعير الاغتراب ، وان يستفيد بمطالعتها الأصدقاء والأحباب ، فقد قيل :
أعز مكان في الدنا ظهر سابح * وخير جليس في الزمان كتاب
ولم اسلك فيها طريق السلف أهل الرحل ، الذين بأحاديث فضلهم ، وكمالهم وادبهم يضرب المثل ، بل اخترقت لها جادة غير تلك الجادة ، ومادة ليست كتلك المادة ، معترفا بعجزي عن ادراك شأو أولئك الذين لهم في كل علم مصنف ، وفي كل فن مؤلف ، وأيضا من أقر بعجزه ، فقد انصف ، وعملا بقول القائل : خالف تعرف ، فجاءت على كل حال ، بعون المعين المعتال ، رحلة لطيفة ، أنيسة ظريفة ، بليغة مفيدة ، وحيدة فريدة ، جميل معناها والبيان ، بثنية الحسن بلا دهان ، قد راقت ألفاظها ورقت ، وحسنت معانيها البليغة ودقت ، فأتت بعون الخبير اللطيف على وضع بديع لطيف ، محتوية على توايخ وتراجم ، يهش لمعانيها الرائقة كشاجم وفوائد أدبية ، يشتاق لها ابن القرية ، وأجوبة وايرادات ، والغاز ومعميات ، ورسائل أنيسة ، وانشاءات نفيسة ، ومواعظ وتفاسير ، وتحارير وتقارير ، وعلوم غريبة ، وشواهد عجيبة ، وأحاديث واخبار ، ونثر واشعار ، ونكت ولطائف ، وحكايات وظرائف ، ومسائل ومباحث ، يعجز في حلبتها كل مناضل ومنافث ،