تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥

من قول ذات النطاقين لابنها

دخل عبد اللّه بن الزبير على أمّه أسماء بنت أبي بكر في اليوم الذي قتل فيه ، فقال : يا أمّة ؛ خذلني النّاس حتى أهلي وولدي ولم يبق معي إلا اليسير ومن لا دفع عنده أكثر من صبر ساعة من النّهار . وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك ؟ قالت : إن كنت على حقّ تدعو إليه فامض عليه ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أميّة فيتلعّبوا بك . وإن قلت : إني كنت على حقّ فلمّا وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس هذا فعل الأحرار ، ولا فعل من فيه خير ، كم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن ما تقع به يا بن الزّبير . وللّه لضربة بالسيف في عزّ أحبّ إليّ من ضربة بسوط في ذلّ . قال لها : هذا واللّه رأيي ، والذي قمت به داعيا إلى اللّه . واللّه ما دعاني إلى الخروج إلّا الغضب للّه عز وجل أن تهتك محارمه . ولكنّي أحببت أن أطّلع رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوّتي وبصيرتي . واللّه ما تعمّدت إتيان منكر ولا عملا بفاحشة ، ولم أجر في حكم ، ولم أغدر في أمان ، ولم يبلغني عن عمالي فرضيت به . بل أنكرت ذلك ولم يكن شيء عندي آثر من رضا ربّي . اللهمّ إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي ، ولكن أقوله تعزية لأمّي لتسلو عنّي . قالت له : واللّه إنّي لأرجو أن يكون عزائي فيك حسنا بعد أن تقدّمتني أو تقدّمتك ، فإنّ في نفسي منك حرجا حتّى أنظر إلى ما يصير أمرك . ثمّ قالت : اللهمّ ارحم طول ذاك النّحيب والظّمأ في هواجر المدينة ومكّة وبرّه بأمّه . اللّهم إنّي قد سلّمت فيه لأمرك ، ورضيت فيه بقضائك ، فأثبني في عبد اللّه ثواب الشاكرين . فودّعها وقال : يا أمّه لا تدعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده . قالت : لن أدعه لك . فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . فخرج وهو يقول « 1 » : [ الطويل ]
فلست بمبتاع الحياة بسبّة * ولا مرتق من خشية الموت سلّما
وقال لأصحابه : احملوا على بركة اللّه . وحارب حتّى قتل .
هامش
( 1 ) البيت للحصين بن الحمام المري في شرح اختيارات المفضل 333 ، والمفضليات ص 69 .