وحكى دعبل قال : بلغني أنّ أبا الحارث قد فلج ، فاغتممت لظرفه وملاحته ، فصرت إليه فوجدته في عافية ؛ فحمدت اللّه وسألته عن خبره ؟ فقال :
دخلت الحمّام وأكلت السمك ، ودعوت المزيّن فأخذ شعري ، فظن الفالج لما رأى المزين عندي أني احتجمت ؛ فلما علم أنه أخذ من شعري تركني وانصرف .
ونظر يوما إلى برذون يستقى عليه ، فقال « 1 » : [ الطويل ]
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو أن هذا هملج « 2 » ما كان هذا .
وأكل يوما مع الرؤساء بيضا مسلوقا ، فجعل يأكل الصفرة ، وينحّي البياض إلى بين يدي أبي الحارث عبثا به ؛ فقال لما طال ذلك عليه - وتنفّس الصعداء - :
سقى اللّه روح العجّة فما أعدلها .
ودخل إلى بعض أصدقائه يوما ، فقال له : ما تشتهي ؟ قال : أما اليوم فماء حصرم ، وأما غدا فهريسة .
قال بعضهم : دخلت على جمين أعوده من مرض به ، فقلت له : ما تشتهي ؟ فقال : أعين الرقباء ، وألسن الوشاة ، وأكباد الحسّاد .
مرّ رجل به فسلّم عليه بسوطه ، فلم يرد عليه ؛ فقيل له في ذلك ؛ فقال :
سلّم علي بالإيماء ، فرددت عليه بالضمير .
وسأله يحيى بن خالد عن مائدة ابنه ؛ فقال : أمّا مائدته فمن نصف كسرة ، وأمّا صحافه فمنقورة من قشور حبّ الخشخاش ، وما بين الرغيف والرغيف مدّ البصر ، وما بين اللون واللون فترة ما بين نبيّ ونبيّ . قال : فمن يحضرها ؟ قال :
خلق كثير من الكرام الكاتبين . قال : فيأكل معه أحد ؟ قال : نعم ، الذّبّان . قال :
سوأة له هذا ، فثوبك مخرق وأنت بفنائه يطور ، فلو رقعت قميصك ! قال : ما
هامش
( 1 ) عجزه :ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعلوالبيت لمنقر بن فروة المنقري في البيان والتبيين 3 / 228 ، وبلا نسبة في البيان والتبيين 2 / 103 .
( 2 ) هملج : أسرع في سيره .