وإن كان لم يكذب في هذا خاصة ، فمرّ بي عند هذا ما لم يتبين لي فيه مطعن ، وهو قول بعضهم :
وعهد بنعم أول العهد أنّها * كعاب فزادتنى صبا وتصابيا
فقد شاب منها نسلنا وتناسلوا * وعادت بقايا حبّ نعم بواديا
[ من عيوب الشعر ] حوشى الكلام
قال قدامة بن جعفر « 20 » : من عيوب الشعر أن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلّا في الفرط ؛ ولا يتكلم به إلا شاذّا ؛ وذلك هو الوحشىّ الذي مدح عمر بن الخطاب زهيرا بمجانبته « 21 » وتنكّبه [ 217 ] إياه ؛ قال : كان لا يتّبع حوشىّ الكلام .
وهذا الباب مجوّز للقدماء ، ليس من أجل أنه حسن ؛ لكن لأنّ من شعرائهم من كان أعرابيا قد غلبت عليه العجرفيّة ، وللحاجة أيضا إلى الاستشهاد بأشعارهم في الغريب ؛ ولأنّ من كان يأتي منهم بالوحشىّ لم يكن يأتي به على جهة التطلّب له والتكلف لما يستعمله منه ؛ لكن لعادته وعلى سجيّة لفظه .
فأما أصحاب التكلّف لذلك فهم يأتون منه بما ينافر الطبع ، وينبو عن السمع ، مثل شعر أبى حزام غالب بن الحارث العكلي ، وكان في زمن المهدى ، وله في أبى عبيد اللّه كاتب المهدى قصيدة أولها « 22 » :
تذكّرت سلمى وإهلاسها * فلم أنس والشوق ذو مطرؤه « 23 »
وفيها يقول :
هامش
( 20 ) نقد الشعر 196 .
( 21 ) في نقد الشعر : بمجانبته له .
( 22 ) الإهلاس : ضحك في فتور ، وإسرار الحديث وإخفاؤه ( القاموس ) . مطرؤة : مفعلة من طرأ عليه الأمر إذا جاءه من حيث لا يعلم .
( 23 ) الإرب : الدهاء والبصر بالأمور ، وهو من العقل . وحجئ بالشئ : جن به وتمسك ولزمه .