أما من ألفوا في النقد بعده من أمثال الجرجاني في كتاب " الوساطة " ، والثعالبي في كتابه " يتيمة الدهر " ، وابن رشيق في كتابه " العمدة " فقد تأثرواهم أيضا بمن سبقوهم من النقاد الأدباء والعلماء ، فهي سلسلة مترابطة الأجزاء ، متصلة الحلقات ، وإن كان لكل حلقه منها خصائصها الفنية وميزاتها الخاصة .
* * *
ويتضح ( 2 ) لنا من هذا العرض السريع لتاريخ النقد القديم أن هناك طائفتين من نقدة الأدب العربي عاشوا جنبا إلى جنب منذ أواخر القرن الأول الهجري : الأدباء ، واللغويون والنحويون .
فأما الأدباء فهم الشعراء والرؤسا ، والخلفاء ، ونقدهم فطرى قائم على الطبع والسليقة .
وأما اللغويون والنحويون فأولئك الذين خلقتهم الحياة الإسلامية الجديدة ، وهيأت لهم أسباب البحث المتشعب ؛ فكانوا أمزجة خاصة وذهنية خاصة في تاريخ النقد الأدبي .
ونقد هؤلاء يراد به العلم ، وتزداد به خدمة الفن الشعرى وتاريخ الأدب ، ونجده مخلصا صادقا ، فلا عصبية ولا هوى جائرا ولاتأثرا حاضرا ، ولا انحرافا عن الحق رغبة أو رهبة ، وإنما هو الشعور الهادئ ، والتحليل والدليل ، وقرع الحجة بالحجة ، وذكر الأسباب .
وهذا النقد متشعب فسيح يمس الأداة العربية كلها ، ويحلل النصوص من جميع نواحيها ضبطا وبنية وترتيبا وفتا .
ومن هذا النقد ما يقوم على الأصول الفنية التي قررت في اللغة وفى النحو وفى العروض .
ومنه ما يقوم على الأصول الفنية التي قررت في تقدير الأدب .
وقد يكون انحرافا عن الحق أن نقول : إن النحويين واللغويين كانوا دائما ينقدون في الأدب صياغته التي لا تتمشى مع السبك العربي ناسين جماله ورجاله وعناصره الفنية ، وقد يكون من الظلم لهم أن نخليهم من الذوق الأدبي ، وأن نقصرهم على نقد الصور
هامش
( 2 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري - للمرحوم الأستاذ طه أحمد إبراهيم .